عصرنة القرآن الكريم !

رئيس تحرير اللواء الإسلامى
رئيس تحرير اللواء الإسلامى

روح النص
الثلاثاء:

أتابع بشغفٍ بعض الكتب المترجمة عن القرآن الكريم، والتي تسعى للبحث عن مواطن إعجازه: اللغوي والبلاغي والنحوي والعلمي، وغيرها من الإعجازات المتجددة لهذا الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والحقيقة أن الثقافات الأوربية والأمريكية تولي اهتمامًا بالغًا للدراسات القرآنية بحيث لا يخلو عام من إصدار كتاب حول القرآن، والغريب أن الدول العربية لا تهتم حتى بترجمة هذه الكتب، فضلًا عن مناقشتها ونقدها، وهي مأساة متجددة نرجو أن تنتهي بصحوة قريبة في هذا المجال الدراسي الذي يهتم به كل مسلمي العالم.

لا شك أننا نحتاج إلى قراءات "عصرية" للقرآن الكريم، تركز على ما ينفعنا في عصر الذكاء الاصطناعي وتسارع النمط الرقمي للحياة؛ خاصة أن الإنسان المعاصر تنوشه أنياب الحياة وتلطمه أمواجها فتسكنه الحيرة، باحثًا عن مرجعية أخلاقية وفكرية تمنحه التوازن وسط هذا التلاطم، ولهذا تبرز الحاجة الملحاح إلى قراءة جديدة لهذا الكتاب الخالد، تستعيد روح النص، وتتجاوز النظرة الجامدة التي تحصر القرآن في رفوف التاريخ أو تقتصر على التبرك بكلماته، لتجعله منهج حياة يستوعب الأسئلة الراهنة ويجيب عنها.

لم ينزل النص القرآني لزمن دون غيره أو لمكان دون آخر، وإنما جاء للإنس والجان في كل زمان ومكان، ولا شك أنه يحمل أدوات بقائه، ولهذا جاء بخطاب إنساني عام يمتلك قدرة فريدة على "المعاصرة".. وغني عن التنبيه أننا لا نقصد "بالعصرنة" تحريف الأحكام الدينية الثابتة أو إخضاع النص المعجز لأهواء التجديد غير الانضباطي؛ بل تعني إعادة اكتشاف المقاصد الكبرى؛ حيث العدل، والحرية، والكرامة الإنسانية، وحث العقل على التفكير والتدبر.

إننا نحتاج إلى محاولات فكرية وتحليلية تسعى لقراءة النص القرآني بروح إنسانية وثقافية تتناسب مع متطلبات العصر الرقمي، دون الإخلال بقدسية النص أو مقاصده العليا، محاولات تسعى لتقديم رؤية توفيقية تتشابك فيها العلوم الإنسانية الحديثة مع المفاهيم الإسلامية، وتفكك، في الوقت نفسه، القراءات المتطرفة التي تحصر النص القرآني في صراعات تاريخية قديمة أو تجعله وسيلة للصدام مع أدوات العصر الحديث.

 

اقرأ أيضًا: الهجرة إلى المعرفة

 

ذكرى الشيخ البنا
الأحد:

القراء المصريون طعوم شتى نبتت من أرض واحدة، وكلها خير وبركة ومنفعة للناس، ولكل قارئ طريقته الخاصة في الأداء الذي ينسرب إلى قلب المستمع وينسجم مع مزاجه؛ وهناك عشرات التلاوات القرآنية المبدعة التي تجلى فيها الشيخ محمود علي البنا، الذي مرت ذكرى وفاته أول أمس:"20 يوليو 1985"، فلا تكاد الأذن تستسيغها من غيره، وكأنها بصمة صوتية له وحده: "ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن"، "وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى"، "سورة النازعات"، وغيرها من التلاوات التي لا يُمكن حصرها هنا.

أما مصحفه المرتل فإن له مزية خاصة به ومتابعين كثيرين يكادون ألا يستمعوا إلى ترتيل القرآن إلا من هذا الصوت السماوي الهادئ الذي يبعث السكينة في النفس ويرتقي بها إلى معارج الجمال الإلهي؛ وكثيرًا ما كنتُ أشبّه الشيخ البنا بالكاتب يحيى حقي، تظن أن كتابته يسيرة يستطيع غيره أن يأتي بمثلها، وهو منال بعيد ووهم خادع، لا تخفى صعوبته على الخبراء في هذا المجال؛ كذلك هو الشيخ البنا، تخدعك رقته ووداعته وهسيس نبرته، ثم عند المراجعة الدقيقة تنبهر من طول النفس وجودة الأداء والتعمق في معنى الآيات؛ وكأنها قراءة "جبريلية" نزلت توًّا من أنوار السماء لتضيء ظلمات الأرض وتخترق أفئدة البشر.

لا أشك لحظة في الاصطفاء الإلهي للقراء المصريين، وأثق أن لهم فتوحات ونفحات ربانية، وقد قرأت أنه أثناء زيارة الشيخ محمود علي البنا إلى المدينة المنورة؛ حيث كان يتلو من سورة الأحزاب، وقد أخذ يُعيد مرات كثيرة الآية: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا} بالقراءات، ثم انخرط في بكاء شديد؛ فلما سأله الناس بعدما فرغ من التلاوة، قال لهم: "رأيت حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يطرب لهذه الآية، فما تجاوزتها إلى غيرها حتى أمرني بذلك".

اتصلتُ بالقارئ الكبير أحمد محمود علي البنا، لأسأله عن هذا، فقال إن أباه قد قصَّ عليه بعض وقائع هذا الموقف، وأنه قد قرأ هذه الآية بالفعل بجميع القراءات المعروفة، وأنه كان متأثرًا جدًّا، خاصة مع انفعال الناس وإلحاحهم على إعادة هذه الآية وشدة طربهم لها، وتأثرهم بها؛ غير أنه أكد أن أباه لم يذكر له أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بهذا أو لا، وربما يكون قد ذكرها لأحد أصدقائه المقربين.. وأخبرني نجل الشيخ البنا أن لوالده علاقة وطيدة بمحبة سيدنا النبي؛ حيث كان دائم الصلاة والسلام عليه، وله أوراد يومية معروفة في الصلاة عليه وعلى آله، وكذلك قبل القراءة في المحافل وبعدها، وربما تكون هذه العلاقة الوطيدة بسيدنا النبي السبب في إجماع الناس على تلاواته وقراءاته، واحتفاظهم بتسجيلاته النادرة وإذاعتها بصورة متكررة.

 

اقرأ أيضًا: القلب الاستراتيجي للوطن

 

القراء المصريون أوتاد مصر، وقوتها الغالبة، ببركات السماء، ومقاييس الأرض؛ ولقد أحسنت وزارة الأوقاف حين أعادت اكتشاف مخبوءات هذه الأرض الطيبة ببرنامجها "دولة التلاوة"، فأضحت حياتنا كلها حديثًا في القرآن وعن القرآن، دراسة واستماعًا، وترشيحًا لقارئ دون غيره، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وأرضنا ولّادة وقادرة على التجديد والتحديث؛ ولهذا فإنني أتوقع أن الموسم الجديد من "دولة التلاوة" سيكون أكثر توهجًا وأضرى منافسة من الموسم الأول، رغم انبهارنا به.. القرآن حياة والموت الحقيقي في هجره والابتعاد عنه.. لكل أمة بواعث نهضة ودوافع غلبة، والبحث عن كوامن قوتنا الغالبة ضرورة وجودية في هذا التوقيت الذي تتصارع فيه الدول الكبرى على السيادة الدولية وتقزيم الهويات الوطنية.

حصة الموسيقى
الجمعة:

علاقةٌ وطيدة تجمع بين الأذن المصرية والأنغام الموسيقية منذ المصري القديم، الذي جعل هذه الأنغام نوعًا من الطقوس العبادية، فرسمها على جدران المعابد، واستخدم أدوات أرضه الطيبة في ابتكار آلات جديدة، وكأنه يُخاطب الملكوت الأعلى بهذه الأنغام الإيقاعية؛ ومن ثم أصبحت لديه أذن واعية يستطيع بها التفريق بين الأصوات النشاز وتلك التي تسكن الروح.

حتى في العصر الحديث، أصبحت الموسيقى المصرية حالةً فريدةً بين الموسيقى العالمية، فحدث دمج بين الموسيقى الغربية والتراثية، وتم استقدام العديد من الآلات الجديدة، وتنويع النوتات الموسيقية لتلائم الذوق المصري، الذي يستشعر الطرب بفطرته المتشبعة بالحضارة المتوضئة بجلال النيل الخالد.

هكذا تشكل الوعي الذوقي لدينا طوال تاريخنا السمعي، حتى أصبح التشكيل الموسيقي مبثوثًا في الوجدان المصري، يطرب عندما يسمع: «أهواك»، و«أغدًا ألقاك»، و«إلا أنت»، ويتجاوز عن بعض الصخب في الأغاني الحديثة، ونشأت أجيال كثيرة تؤمن بأن حجرة الموسيقى، بآلاتها القليلة، مصدر البهجة طوال اليوم الدراسي الشاق، تمامًا كما كانت المدائح النبوية تغسل هموم الفلاحين بالقرى، وتخفف عن أفئدتهم حرارة الجو وقسوة الحياة.

وأتذكر أنني وأصدقائي في المرحلة الابتدائية كنا نتنافس على شيئين: الانضمام إلى الشرطة المدرسية ذات الوجاهة، وعلى رأس مهامها ضبط طابور الصباح على إيقاع الطبلة، ثم الإذاعة اليومية.

حتى إذا تقدمت الحياة اندثرت هذه المظاهر الانضباطية في مدارسنا، وغابت حصة الموسيقى، وتاه الإيقاع من حياة أبنائنا فغابوا عن إدراك الإيقاع الكوني، وأصبحوا فريسة لهوابط الأغاني وسفاسف الكلمات، وظهر فريق يرى أن حفظ القرآن أولى من هذا "الفسق"، وكأن هناك تعارضًا بين الاثنين، ولا يزال هذا الفريق يشوش على برنامج "دولة التلاوة" بأن المقامات «حرام».. وكل عيشتنا حرام في حرام!

غياب الآلات الموسيقية عن مدارسنا يُهدد الذائقة الجماعية للطلاب، ويؤثر على الوعي بتاريخنا الموسيقي العريق، ويجعل من آذان الطلاب نهبًا لكل ناعق زاعق وصوت شارد.

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت 34 - 35].
 

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا