إذا كان التفريط يسيء إلى الإسلام والمسلمين، فإن الإفراط يسيء أكثر وأكثر. فالتشدد والغلو لا يُقرِّبان الناس من دين الله، بل ينفرانهم ويبعدانهم عنه.
وإذا تأملنا حال صاحب التفريط وحال صاحب الإفراط، وترك هذا للتسيب وذاك للغلو، والعودة إلى الطريق الصحيح واتباع منهج الإسلام ووسطية هذه الشريعة، فإن الواقع يقول لنا، دون تهويل أو تهوين، بأن الأول تسهل عودته، بينما الآخر يصعب رجوعه. فالأول يرى في نفسه التقصير، بينما الآخر يظن في نفسه التقوى والورع والحفاظ على الدين، هذا الأمر لا ينطبق على الأفراد وحدهم، لكنه ينطبق على المجتمعات أيضًا.
اقرأ أيضًا: بين التيسير والتفريط 1
ومن ثم فلا جُناح علينا إذا قلنا إن الإفراط والغلو أكثر ضررًا وأشد خطرًا على الأفراد والمجتمعات من التفريط والتسيب، ليبقى التيسير بريئًا من هؤلاء وأولئك، براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فالتيسير منهج الشريعة الإسلامية، شريعة القرآن الكريم والسنة النبوية، هذا المنهج لا يجنح إلى التفريط ولا يميل إلى الغلو، بل يرفض هذا ويأبى ذاك.
وديننا الحنيف إن كان قد ذم الإفراط والتشدد والغلو، فإنه في الوقت نفسه وبالقدر نفسه ذمَّ التفريط والتسيب والانحلال، فكلاهما بعيد عن شريعة الإسلام التي تنتهج الوسطية والتيسير. وليس من شك في أن الشيطان يجد نفسه في الاتجاهين، ويحض أتباعه على إحدى الطريقين. فهو يدفع إلى التشدد والغلو، ويدفع كذلك إلى التفريط والتسيب، المهم هو أن يبعد المسلم عن وسطية الإسلام وعن منهج التيسير.
يقول ابن قيم الجوزية: «وما أمر الله بأمر إلا للشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد».
فليحذر المسلم السير في طريق هذا الفريق الذي يقرن التفريط بالتيسير، ويربط بين رفع الحرج وارتكاب المعاصي والذنوب، وكذا طريق الفريق الآخر الذي يفهم التيسير على أنه تفريط، وأن رفع الحرج تهاون في أمور الشريعة المحمدية، وليكن الطريق هو وسطية الإسلام ومنهج التيسير، كما قال الله سبحانه وتعالى، وأكده الرسول صلى الله عليه وسلم، وطبقه هو وأصحابه والتابعون.



