منذ انطلاقتها المباركة في 25 مارس 1964، بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر، وحتى أصبحت تنشر رسالتها عالميًّا بدعم كبير من الرئيس السيسي، وإذاعة القرآن الكريم تقدم زادًا معرفيًّا لا بديل له، وتحمل على عاتقها مهمة تشنيف آذان المستمعين بالحرف القرآني المجيد، وتنقل الإبداع المصري الفريد إلى أسماع الدنيا، حتى أضحى مسلمو العالم الغربي أسرى للتلاوة المصرية وقرائها الأماجد. ولأن لكل شيخ طريقة، ولكل أذن نغمة تعرج بها إلى الملكوت، فقد تنافس المستمعون حول قرائهم المفضلين، حتى إنني أندهش كثيرًا من عمق هذا التأثير القرآني المصري في الوجدان الأوروبي والأمريكي، وهو ما يصلح أن يتحول إلى مدخل جديد لدعم القوى الناعمة المصرية في هذه الدول المؤثرة.
اقرأ أيضًا| القلب الاستراتيجي للوطن
وقد وصلتني مؤخرًا عدة رسائل من أبناء الجاليات العربية والإسلامية في مدينة "كوينز" بالولايات المتحدة الأمريكية، تقول إنهم اعتادوا، منذ سنوات طويلة، على متابعة تلاوات القارئ الكبير الشيخ عبد الباسط عبد الصمد عبر إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، حتى أصبحت تلاواته جزءًا أصيلًا من حياتهم اليومية، خاصة في "قرآن السهرة"، الذي يحتشدون إليه بعد صلاة العصر للاستمتاع بذلك الصوت الفريد، الذي تجاوز أثره حدود اللغة والجغرافيا، فجمع حوله العرب وغير العرب من دول آسيا وإفريقيا في أمريكا، بل والمسلمين الأمريكيين على حد سواء.
تقول الرسالة: "لعل ما يضفي على هذه اللحظات مزيدًا من الشجن والبهجة هو تلك المقدمة الإذاعية المميزة، وحتى خربشات الإرسال القديمة، التي ارتبطت في وجداننا بصوت الشيخ عبد الباسط ارتباطًا لا يضاهيه أي قارئ آخر. غير أننا لاحظنا جميعًا، وبقدر كبير من الأسف، أن تلاوات الشيخ عبد الباسط أصبحت نادرة للغاية، حتى يكاد صوته أن يكون قد اختفى من خريطة البث، فما الذي حدث؟ ولماذا أصبحت إذاعة القرآن الكريم تذيع له على فترات متباعدة جدًّا، وفي الغالب من خلال تلاوات مكررة أو مقصوصة أو مجمعة؟ كما نتساءل: لماذا غابت عن البث تسجيلات الخمسينيات، سواء محافله الجماهيرية أو تسجيلاته الأستديوهية النادرة، التي تمثل جانبًا مهمًّا من التراث القرآني المصري؟". انتهت الرسالة، لكن لم تنتهِ الأسئلة.
الغريب أنه، في الأسبوع نفسه، وصلني اتصال من القارئ الأستاذ باسم الشيخ، وهو أحد "السّميعة" الكبار، والمتابعين الشغوفين للخريطة القرآنية بإذاعة القرآن الكريم، يتساءل أيضًا عن اختفاء تسجيلات الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ويأخذ بعض الملاحظات على الإذاعة، منها: يُذاع للشيخ في "قرآن السهرة" غالبًا تلاوات مكررة في فترات متقاربة، ومدة التلاوة الأصلية نصف ساعة، ولكن "مونتاج التلاوة"، بعد إعادة بعض المقاطع، تكون مدته ساعة إلا ربعًا، مثل: "فصلت" و"الشمس" و"الإسراء". وقد تكون التلاوة مجمعة من تلاوات مختلفة، مثل: "الزمر" و"القيامة" و"قصار السور". وقد تكون التلاوة من تسجيلات الأستديو غالبًا، مع أن للشيخ تلاوات كثيرة مدتها ساعة إلا ربع في أرشيف الإذاعة، وقد تمت إذاعتها من قبل، ومن خلال برنامج "من التسجيلات النادرة"، الذي يقدمه الأستاذ إبراهيم مجاهد.
وأيضًا، في "قرآن المغرب"، ولمرتين متتاليتين، يُذاع له تسجيل أستديو؛ فقبل العيد أُذيعت تلاوة من سورة «البقرة»، ثم أُذيعت تلاوة من سورة «النحل». وكله كلام الله، لكن هذه الأوقات ارتبطت عند أهل السمع بأن تكون من محافل المساجد، التي تُضفي روحانية وتعايشًا وتفاعلًا مع المستمعين.
وعلى مدار اليوم، في التلاوات القصيرة، بالكاد يُذاع له على مدار الأسبوع، بينما يُذاع لغيره من قراء الجيل الذي يليه أكثر من مرة في اليوم الواحد، كما تُذاع لغيره تلاوات قصيرة من المحافل، وعندما يأتي دوره في "قرآن السهرة" أو "قرآن المغرب"، تُذاع له تلاوات من تسجيلات الأستديو، ولا يُذاع له بعد الأذان كغيره.
نتفق أو نختلف مع هذه الرسائل، لكننا نُدرك أن لدى إذاعة القرآن الكريم أسبابها المنطقية، وتستطيع الرد على كل تساؤل، كما أننا ندرك أن تاريخ هذه الإذاعة العريقة، وخبرة مذيعيها، وتقواهم، تمنعهم من الانزلاق في مهاوي الانحياز الأعمى لقارئ دون غيره. كما أننا، من ناحية أخرى، نتفهم تمامًا طبيعة "الذائقة المنحازة" التي تدفع محبي كل قارئ إلى الشعور بأنه مبخوس الحق، مهضوم الجانب. غير أن هذه الدقة المتناهية في الرصد والتفصيل تؤكد أن الأذن المصرية لا تزال بخير، وأن مدرسة التلاوة المصرية في ارتقاء متجدد.
وبقدر سعادتي بالاهتمام العالمي بالتسجيلات النادرة لنجوم "دولة التلاوة" المصرية، فإن هناك واجبًا على إذاعتنا العريقة أن تراعي مثل هذه الملاحظات، وأن تُظهر لجمهور المستمعين في العالم كله الخطة التي تسير عليها في بث نوادر التسجيلات.



