د. هاني عودة.. اختيار 5 آلاف معلم من 30 ألفًا أكبر تحدٍّ واجهن
هدفنا.. إنسان واعٍ سلاحه الوسطية
التعاون مع مؤسسات الدولة لحماية الهوية
لم يعد الرواق الأزهري مجرد حلقات لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية، بل بات أحد أهم مشروعات الأزهر الشريف لبناء الإنسان المصري، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، ومواجهة الفكر المتطرف، وتأهيل الأجيال علميًا وفكريًا، مستفيدًا من أدوات العصر وتقنيات التعليم الحديثة.
وفى إطار خطة التطوير التي يقودها الأزهر الشريف، يشهد الرواق نقلة نوعية فى إعداد المعلمين، وتطوير المناهج، والتوسع فى التعليم الإلكتروني، وإقامة شراكات مع مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.
وفى هذا الحوار، يكشف الدكتور هاني عودة، مدير عام الجامع الأزهر، تفاصيل خطة تطوير الرواق خلال المرحلة المقبلة، وأبرز التحديات التي تواجهه، وآليات اختيار المعلمين وتأهيلهم، وخطط التوسع فى المحافظات، وأهداف التعاون المؤسسي، فضلًا عن رؤيته لمعالجة ضعف التحصيل فى التربية الدينية، مؤكدًا أن الرواق الأزهري عاد ليؤدي رسالته التاريخية باعتباره أحد أهم روافد التعليم غير النظامي بالأزهر الشريف.. وإلى نص الحوار:
◄ هل هناك سن معين للالتحاق بالرواق الأزهري، سواء فى حفظ القرآن أو علومه الشرعية؟
فى السابق كنا نستقبل الأطفال دون قيد أو شرط حتى عمر الثامنة عشرة عامًا، لكن الآن يُشترط للقبول أن يكون الطفل فى عمر الخامسة، وذلك مراعاة لضوابط الحفظ المقررة، التي تنص على أن النشء فى سن الخامسة يكون حافظًا، على الأقل، جزء «عم»، وهو المستهدف من إنشاء جيل واعٍ يمتلك مهارات اكتسبها من التقدم التكنولوجي الراهن. ونحن اليوم نريد أن نستثمر عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشات المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أن الدراسات العلمية اليوم أثبتت أن أقوى مرحلة حسية للحفظ تكون ما بين (5 - 10) سنوات، وهو العمر الذي أتم فيه كبار العلماء والمفكرين حفظ القرآن، وربما يزيد عامًا أو يقل؛ لأنها مرحلة حسية مجردة من الزمن القريب، فالطفل فى هذه المرحلة يستطيع الحفظ والتحصيل بشكل كبير للغاية؛ لصفاء ذهنه.
تحديات كبيرة
◄ ما التحديات التي تواجه المشروع منذ إنشائه حتى الآن؟
هناك تحديات كبيرة تواجه المشروع، أهمها المعلم، الذي هو محور العملية التعليمية، فاختياره ليس بالأمر السهل، فلا بد أن يتوافر لديه شقان أساسيان: الأول حفظ القرآن الكريم كاملًا، والثاني إتقان أداء التلاوة، مع قدرته على التدريس، ومرونته فى التعامل مع الطلاب، فمن أجل الوقوف على حقيقة هذه الجزئية، وقع الاختيار على 5 آلاف معلم من إجمالي 30 ألفًا.

وذلك لأن المعلم محور العملية التعليمية، فكان لزامًا أن يكون شخصية علمية ومهنية، ليس حافظًا ومتقنًا فقط، بل لا بد من مشاهدة نتائجه على أرض الواقع، وآلية التعامل مع الطلاب والدارسين، ومدى التزامه بمواعيده مع الطلبة، وترغيبهم فى كتاب الله سبحانه وتعالى، فضلًا عن مرونته فى التعامل مع الطالب، لينعكس كل ذلك بالإيجاب على العملية التعليمية، وبالأخص مشروع التحفيظ داخل الرواق.
اقرأ أيضا:أروقة الأزهر تسطع بالمحافظات
كما يجب التنويه إلى أن فكرة الرواق غير رسمية، بمعنى أنها غير مقيدة بأمور رسمية، فنحتاج إلى مزيد من الوقت لتعميمها والنهوض بها؛ لأننا نقدم خدمة تعليمية وتوعوية للواقع، هدفها بناء إنسان على أساس ديني يسهم فى بناء وطنه ويشارك فى حضارته.
إعداد المعلمين
◄ هل هناك آلية متبعة لإعداد معلم يسهم فى نجاح هذه المنظومة، وتساعده على التواصل مع الدارسين؟
تم إنشاء مركز "إعداد وتطوير معلمي القرآن الكريم" من أجل تأهيل وتدريب وإعداد المعلمين، ويتكون من ثلاثة محاور: حفظ القرآن الكريم كاملًا، وتعليم أحكام التلاوة نظريًا وعمليًا، فضلًا عن إكسابه مجموعة من المهارات التربوية والتوعوية؛ من أجل تنمية الجانب الفكري، وليس المستهدف من ذلك أن يدرس فكرًا، بل ليستوعب الواقع الذي يعيش فيه، وإكسابه حصانة فكرية تسهل عليه التواصل مع الطلاب، وبذلك يكون المعلم قد حُصن من كافة الجهات.
ضوابط محددة
◄ ما الشروط التي يجب توافرها لاختيار مكان الرواق، وهل هو متاح طوال العام؟
اختيار مكان الرواق يتوقف على الموقع الجغرافى للمعهد الذي تم اعتماده وفقًا للضوابط والشروط، أهمها أن يكون على مسافة خمسة كيلومترات من القرى المحيطة به، لتشجيع الطلاب وأولياء الأمور على الالتحاق به، ولن يتحقق ذلك إلا بقرب مسافة الرواق من محل سكن الطفل.
أقرأ أيضا : د. هاني عودة مدير الجامع الأزهر : لجـان علمية لاكتشـاف المواهـب القـرآنيـة
فنحن نحلم بتأسيس فروع عديدة داخل المحافظات، ولكن ذلك يفوق المتاح لدينا فى الوقت الحاضر، كما أنه من الصعب إقامة أروقة داخل 12 ألف معهد أزهري، بسبب التكلفة المالية المرتفعة، وتحديات الجانب الإداري، فنحتاج إلى عمالة، ومنسق إداري، ومشرف علمي لكل فرع.
وهذا بالطبع سينعكس على العدد الكمي لإدارة المنظومة بزيادة أعداد المحافظات؛ لتستوفى رغبات الناس، لكن فى المقابل ستتضاعف الموازنة خمسة أمثالها الحالية التي نعمل بها، وهذا رقم كبير جدًا، لذا نعمل بالتدريج من أجل تحقيق غايتنا والوصول إلى الهدف المنشود. أما بالنسبة للمواعيد التي نعمل فيها، فالرواق متاح طوال العام، وهو هدف أساسي من إقامته على أساس علمي متزامن ومتلازم طيلة السنة، فهو أشبه بالتعليم المفتوح، ونحن نعطي مساحة لمن يريد أن يلتحق به خلال الصيف،إن كان مثقلًا بالأعباء خلال فترة الدراسة، أو مشغولًا بعض الوقت، والحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه، أننا نقدم خدمة لقرابة نصف مليون دارس.
تعاون مؤسسي
◄ هل هناك تعاون مع جهات أو مؤسسات تتوحد أهدافها مع أهداف الرواق؟
نعم، هناك تعاون مع جهات عدة، فنحن نعمل على تحقيق التكامل المؤسسي، فلدينا خمسة آلاف معلم من داخل القطاع التعليمي بالمعاهد الأزهرية، لا يتوقف دورهم على المشاركة فى تحفيظ القرآن الكريم، بل يمتد إلى دعم المبادرات، فشاركنا فى لقاءات مع قطاع المعلومات بمجمع البحوث الإسلامية، وعقدنا مجموعة من الملتقيات الثابتة، مثل ملتقى الطفل، وملتقى المرأة، وملتقى الشباب؛ من أجل حماية المجتمع ومعالجة قضايا الواقع.
وأؤكد أنه لا توجد ثمة أية عوائق تمنع التعاون المؤسسي، سواء كان مع جمعية خيرية، أو مبادرة حكومية، أو تعليمية، فقد عقدنا بروتوكول تعاون مع محافظة الوادي الجديد، وكانت أول مبادرة قمنا بها تدريس فقه الواقع لسد احتياجات المحافظة.

كما وقعنا بروتوكولات تعاون مع نادي القضاة "أون لاين"، وأتحنا الفرصة للقضاة وذويهم، ووقعنا أيضًا بروتوكول تعاون مع جامعة بنها، وكان أول رواق يتم داخل الجامعة، فضلًا عن بروتوكولات تعاون مع جمعية محجوب فى 6 أكتوبر، ووزارة الشباب والرياضة، التي شاركتنا فى 54 ملتقى علميًا على مستوى الجمهورية، بواقع ملتقيين لكل محافظة، لتحقيق التكامل والشراكة مع كافة المؤسسات، كما يجري الآن توقيع بروتوكول تعاون مع جامعة سوهاج، سيُعلن عنه لاحقًا.
وتجدر الإشارة إلى أننا نتحدث عن إحياء البرامج النوعية التي قد تصل إلى 5 ملايين مستفيد، ونستهدف الوصول إلى 50 مليونًا، حتى يتم التكامل المؤسسي على مستوى الدولة، وأقترح أن يكون هناك تمدد مع الجمعيات والمراكز التعليمية والجامعات حتى تكتمل المنظومة وتنطلق تحت رعاية الأزهر الشريف وجميع أجهزة الدولة، لتضافر الجهود، وتحقيق الهدف المنشود للوقاية الاجتماعية والأسرية التي تحقق نهضة الأمة، وهذا يحتاج إلى برامج نوعية مرتبة ومنظمة، قائمة على أفكار حقيقية ومدعومة.
تفاعل مباشر
◄ كيف يواجه الرواق الأفكار المغلوطة، وهل الدراسة تعتمد على الأسلوب التقليدي، أم تم إدخال وسائل التواصل الحديثة؟
رواق العلوم الشرعية والعربية قام بوضع خطة منذ أسابيع تستهدف إغلاق الباب أمام كل التيارات غير المعتدلة فكريًا، وتحصين الشباب من الأفكار الهدامة والمتطرفة، فنحن نعطي حصيلة تعليمية كبيرة، بمثابة تأسيس للدارس، نطلعه فيها على المواد الأساسية فى العلوم الشرعية والعربية، ويُراعى فيها ميول الطلاب.
اقرأ ايضا: افتتاح أول رواق أزهري بجامعة بنها
والآن لدينا خمس شعب فى المرحلة المتقدمة تشمل: الفقه، والحديث، والتفسير، واللغة العربية، والعقيدة، وقد لبينا طموح من لديه شغف بأن يبقى متواصلًا مع كافة العلوم، فقمنا بإعداد «الشعبة العامة».

كما أن المنصة "أون لاين" هذا العام تختلف عن سابقها، فكانت المحاضرات تُعد وتُسجل ثم تُنشر على مواقع التواصل لمشاهدتها، لكن هذا العام بدأنا، ولأول مرة، بثًا مباشرًا وفقًا لجدول "أون لاين" بمواعيد محددة، وهذا يعطي فرصة للطالب أن يتحاور من خلال البث المباشر مع المعلم، وهذه نقطة فى غاية الأهمية؛ لأن التعلم التفاعلي اليوم صار من أهم الروابط بين الكتاب والمعلم، لضمان إيصال الرسالة الخاصة بالكتاب، والتأكيد على مدى تطبيقها على أرض الواقع، ومعالجتها للقضايا المعاصرة.
فالرواق هنا يواكب التطورات التكنولوجية الحديثة وفقًا لرؤية الإمام الأكبر، بل هو إحياء لطبيعة عمل الأروقة من خلال تنمية المواهب داخل الأزهر الشريف قبل أن يتحول إلى مدارس تعليمية رسمية وجامعات، وبذلك يكون الرواق هو الركن الثالث للأزهر الشريف للتعليم غير النظامي، بخلاف المدارس والجامعات الأزهرية.
والآن صار للرواق صدى كبير جدًا داخل مصر وخارجها من خلال المنصة الدولية لتحفيظ القرآن الكريم، فهناك 67 دولة تشاركنا فى تحفيظ القرآن، مما يؤكد هذا الانفتاح.
دراسة متزنة
◄ بعد ارتفاع نسبة الرسوب فى مادة التربية، هل أصبحنا فى حاجة ماسة إلى انتشار فكرة الرواق لمعالجة الظاهرة؟
أنا أقترح أن تكون التربية الدينية مادة أساسية متكاملة ومتزنة، تعالج كافة القضايا العربية، والعقائدية، والأخلاقية، التي يحتاج إليها الطفل منذ التحاقه بالصف الأول الابتدائي حتى حصوله على الدكتوراه، فأي مرحلة من هذه المراحل لا بد أن تكون منظمة ومرتبة، ليتعلم فيها الطالب الأحكام المتعلقة بالصلوات والأحكام والمعاملات.
اقرأ ايضا: الرواق الأزهري يطلق 1404مقرأة لتصحيح التلاوة بالمحافظات
فنحن فى حاجة ماسة إلى إطلاق مبادرة مثل "كيف تقرأ القرآن الكريم"؛ لمعالجة نتائج الرسوب فى بعض المواد داخل المدارس الدولية وجميع مراحل التعليم، ولإتقان قراءة القرآن الكريم، وتحسين مستوى الكتابة والإملاء؛ لأن الكتابة الإلكترونية أضعفت الخط والإملاء. وأُنبه إلى أن دراسة المواد الدينية يجب ألا تقتصر على المرحلة الابتدائية فقط، بل من الضروري أن تمتد إلى المرحلة الإعدادية، فنحن نحتاج بالفعل إلى مجموعة برامج تناسب المرحلة الفكرية الخاصة، وهذه المرحلة مهمة جدًا، ثم تأتي المرحلة الثانوية، التي يحتاج فيها الطالب إلى قدر تعليمي مكثف ما بين اللغة العربية والعلوم الشرعية، كما أن شباب الجامعة فى حاجة ماسة أيضًا إلى برامج نوعية تدعم الفكر والأخلاق والقيم بمجموعة من البرامج تناسب أعمارهم واحتياجاتهم والحالة العمرية التي هم عليها.فما نشاهده الآن من التدني الأخلاقي والفكري والقيمي، يضعنا أمام تحدٍ كبير لتقويم ذلك والتغلب على مشكلاتنا.
إقبال كبير
◄ كم عدد الدارسين فى الرواق هذا العام؟
بلغ عدد الدارسين الملتحقين هذا العام قرابة 20 ألف دارس يدرسون دراسة فعلية، ويدخلون اختبارات حقيقية للوقوف على مستواهم الفعلي، أما عدد المستفيدين من غير دخول الاختبارات، كحضور فقط، فيتخطى ضعف هذا الرقم، إذ يبلغ نحو 34 ألف متابع، ليكون لديهم دراية بالمواد الشرعية، لكنهم لا يدخلون اختبارات.
ويبلغ عدد الفروع 1450 فرعًا، المفعل منها على أرض الواقع 1016 فرعًا، كما أن لدينا فروعًا تشهد إقبالًا، لكنها تحتاج إلى مزيد من أعمال الجودة والترتيبات على أرض الواقع، من حيث المعلم، وقرب المعهد.




