اختيار معلمين مهرة يمتلكون فنون التواصل
الحذر من مروجي الشعارات الزائفة لتجديد الخطاب الديني
الموسم الجديد يلبي النداءات المتزايدة لتعلم الشريعة
انطلق مؤخرًا الموسم الجديد لرواق العلوم الشرعية والعربية بالأزهر الشريف فى مختلف محافظات الجمهورية، تحت رعاية الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، ليستكمل تحقيق أهدافه وتلبية رغبات الدارسين المتزايدة، استكمالًا لرحلته التنويرية التي بدأها منذ 1086 عاماً، ففى عصر محمد علي باشا، الذي شهد أكبر حركة نهضة حديثة فى مصر، قام بها ونقلها علماء رواق الأزهر الشريف، أمثال رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وعمر مكرم.. وقامت اللواء الإسلامي بجولة تفقدية داخل الأروقة للاطلاع على التجربة، برفقة د. عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على أروقة الجامع الأزهر، الذي أطلعنا خلالها على طبيعة عمل الرواق داخل الجامع الأزهر، وأتاح لنا فرصة التواصل مع المحاضرين والدارسين، وكان اللافت للنظر تعدد الحلقات وتنوعها بين حفظ القرآن، وتعليم القراءات للصغار والكبار والشباب.
خلال تفقد أحد الأروقة التي تُدرس مادة الفرق الإسلامية، ناقش د. فؤاد الدارسين، وبيَّن لهم مدى أهمية دراسة الفرق الإسلامية، مؤكدًا أن اختلاف المذاهب اختلاف اجتهادي، وليس اختلافًا عقديًا، فالجميع يقول: لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، والجميع متفق على هذا، فلا نكفر المعتزلة ولا الشيعة، وهذا هو الغرض من دراسة الفرق. وبيَّن أن قواعد الإسلام المكونة من خمسة أركان لم يختلف عليها أحد، لكن الاختلاف جاء حول فهم بعض الأمور من الاجتهادات، والمجتهد لا يُكفَّر، مؤكدًا للحاضرين أن الأزهر ليس جهة تكفير، وإنما هدفه أن يثبت للجميع أن أمة محمد على كلمة سواء.
تجربة ماتعة
وخلال الجولة التي استمرت لأكثر من ساعتين، استمعنا أيضًا إلى تجربة الدارسين داخل الأروقة، الذين عبروا عن سعادتهم الكبرى بهذه التجربة العلمية الماتعة، وقدموا الشكر للقائمين على الأنشطة العلمية، وللإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي يؤكد دائمًا على ضرورة إتاحة الفرصة كاملة أمام جميع الراغبين فى دراسة العلوم الدينية والعربية، وتيسير سبل تلقي المعرفة من معين الأزهر الصافى، الذي تميز بوسطيته واعتداله على مر العصور.
اقرأ ايضا: الأزهر يطلق مشروع بستان الإبداع للطفل بالتعاون مع وزارة الثقافة
وأكد د. عبد المنعم فؤاد أن الأزهر ما زال يسير على النهج نفسه فى بناء النهضة الحديثة، من خلال معالجة الإنسان وتقويمه وبنائه قديمًا وحديثًا، ويأتي مشروع إحياء الرواق تلبيةً للطلب المتزايد من الدارسين للتزود من معين العلم الوسطي بمصدره الأصلي، الذي تميز بوسطيته على مر العصور، مشيرًا إلى أن الرواق لا يقدم مجالس علمية فقط، بل يبني عقولا قادرة على فهم نصوص الشريعة، ومواجهة التحديات الهدامة بالتسلح بالفكر والبرهان.

وقدم المشرف على الأروقة الشكر للإمام الأكبر د. أحمد الطيب، لتلبية دعوات الدارسين بعد النجاح الكبير الذي حققته الأروقة فى الموسم الماضي، ومعالجة الانحرافات الفكرية والأخلاقية والسلوكية، فضلًا عن مساهمتها فى تعزيز السلم المجتمعي، ومجابهة التيارات المتطرفة بآليات تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، فى ظل توغل فكري وسطحية دينية باتت تهدد أمن واستقرار المجتمعات الإسلامية.
وأكد د. فؤاد على حاجتنا الملحة إلى الرواق فى المستقبل، لمعالجة الكثير من القضايا الاجتماعية والدينية والفكرية، والتحديات المحيطة بنا، التي باتت واضحة ولا تخفى على أحد، لافتًا إلى أن دور هذه الأروقة فى تصحيح الأفكار المغلوطة أصبح ضروريًا للغاية، بل أمرًا وطنيًا لحماية الدين والوطن، والمحافظة على السلم المجتمعي.
مختلف الأعمار
وبيَّن د. فؤاد أن أبواب الرواق متاحة أمام الجميع مجانًا، مع الاكتفاء من الأوراق الثبوتية بصورة الشهادة العلمية للدارس، سواء كان حاصلًا على الإعدادية أو الدكتوراه أو الأستاذية، فضلًا عن صورة البطاقة الشخصية.
أقرأ أيضا : شيخ الأزهر يستقبل سفراء مصر الجدد في 48 دولة
وأشار إلى أن الحلقات العلمية تضم دارسين من جامعة القاهرة، وأساتذة جامعات، وعمداء كليات، ومحاسبين، ومدرسين، ومحامين، ومستشارين، وقضاة، وفنيين، وأطفالًا، وكبار السن، وذوي همم، مؤكدًا أن الجميع يفد إلى الجامع الأزهر ليشهدوا منافع لهم فى هذا المكان الطيب.
واستطرد أن ما لفت انتباه الجميع هو الزيادة الكبيرة فى أعداد الدارسين، واستحسانهم الشديد للمحاضرات، والثناء على القائمين عليها، والدعاء للإمام الأكبر أحمد الطيب، وأن يديم الله نعمة الأزهر ويحفظ بلادنا، لتظل أبواب الرواق عامرة.

وأكد المشرف العام على الرواق الأزهري أن إدارة الجامع لا تحظر أحدًا من دخول الأروقة لتلقي العلم، فلا تسأله عن انتمائه، أو أفكاره، أو الطائفة، أو المذهب الذي ينتمي إليه، بل تقدم له المنهج المستقيم، والفكر المستنير، الذي يصحح أفكاره ويقوم سلوكه، وعندما يسأل يُجاب، وشرع الله فيه حل لكل مشكلة، وكل سؤال له جواب عند علماء الرواق.
وشدد د. فؤاد على ضرورة تأصيل الفكر الديني أولًا، وبيان سماحته والوجه الصحيح له، مضيفًا: وهنا يطرح السؤال نفسه: ممن نأخذ الدين؟ هل من صفحات "فيسبوك" ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، أم من أفواه أشباه العلماء الذين لا نعرف انتماءاتهم، أو اتجاهاتهم الفكرية، أو درجاتهم العلمية، أو هويتهم الشخصية؟ وذلك أمر فى غاية الخطورة، فقد تكون لهم مآرب نحن فى غنى عنها.
علماء راسخون
وتابع د. فؤاد قائلًا: مهمتي فى رواق الأزهر تأصيل الجانب العلمي، وتوفير الأساتذة والعلماء، والكتب والمقررات التي تُطرح فى السلم التعليمي، والتي نالت موافقة المجلس الأعلى للأزهر، وهيئة كبار العلماء، ومن قبلهما اعتماد الإمام الأكبر، والأقسام العلمية فى الكليات الشرعية. وأكد أنه لا يسمح بالتدريس فى الأروقة إلا لأستاذ راسخ فى العلم، يملك فن التواصل لتبليغ فكرته؛ لأنك لا تعرف من يجلس أمامك، وما درجته العلمية، فقد يكون حاصلًا على الأستاذية، وهذا لا يتوافر إلا لدى العلماء الذين درسوا معنا، وتمرسوا على التدريس فى الأروقة، والقصد من ذلك معالجة الميكروبات الفكرية التي تهاجم عقول شبابنا.
اقرأ ايضا: مرصد الأزهر يواجه التطرف بالتفكير النقدي
وأضاف المشرف على الرواق الأزهري أن هدف الأروقة هو الأخذ بيد شبابنا إلى الطريق السليم، الذي من خلاله نحمي أمن المجتمع فكريًا، وعقديًا، وتشريعيًا، وفقهيًا، وأسريًا، فإذا اقترب الشباب من هذه الأروقة ودخلوها حصدنا نتائج باهرة، وهذا ما نجح فيه الأزهر منذ ست أو سبع سنوات من العمل، كما أن الهدف الأول والأخير من الأروقة هو مواجهة الأفكار المتطرفة الغالية التي تشوه صورة الإسلام، فنحن نقدم الدين فى صورته التي قدمها رسول الله ﷺ: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».
27 إدارة
كما قدم د. فؤاد نصيحة للدارسين، بضرورة المتابعة، والمذاكرة، والمواظبة على الاطلاع، ومن كان لديه شكوى أو اقتراح أو فكرة تفيد، فهناك 27 إدارة على مستوى محافظات مصر، عليه التواصل معها، حيث تستقبل من خلالها جميع المراسلات، وتعرض على إدارة الجامع، وعلى خبراء يقومون بدراستها، والرد عليها وفقًا للمنهج الأزهري.
وحذر فؤاد من التطاول على الأزهر وعلمائه، مؤكدًا أنه المصدر والمنبع الحقيقي للوسطية، حسب الدستور المصري، وحسب ما توافق عليه المجتمع، كما أكد أن الأزهر وعلماءه لم يتركوا فراغًا فى الشارع، ولم يبرحوا محراب العلم، بل يواصلون العمل ليل نهار لتبليغ رسالتهم، وتنوير العقول، وتبصير القلوب، وفتح مغاليقها.

وقال المشرف على الرواق إن الأزهر لم يخرج يومًا إرهابيين، ولا متطرفين، ولا غلاة، وإنما يخرج أدباء وعلماء، فعندما أراد محمد علي أن يستورد النهضة الحديثة لم يجد أمامه إلا أبناء الأروقة الأزهرية، على رأسهم رفاعة الطهطاوي، وعمر مكرم، وغيرهما من رجال الجهاد الوطني فى مصر، ومن أروقة الأزهر مصطفى كامل، وأحمد عرابي، مشيرًا إلى أن تلك الأروقة أخرجت للمجتمع أيضًا علماء ملؤوا الدنيا نورًا وعلمًا، أمثال ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي، والقلقشندي، والإمام الشعراوي، وغيرهم الكثير.
اقرأ ايضا:مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين بالأزهر يستأنف فعاليات تصفيات مسابقة مواهب وقدرات
وأضاف د. فؤاد أنه منذ أكثر من 1080 عامًا، وكراسي الأزهر تحت الأعمدة، يجلس عليها علماء يقدمون العلم الصحيح الذي ورثناه عن رسولنا الكريم ﷺ، ثم يُصدر إلى الدنيا كلها من خلال الطلاب الوافدين ممن يتقنونه وينقلونه إلى بلدانهم، فتنتشر الأخلاق الحميدة، والتسامح، والقيم النبيلة، ويعم السلام العالم، مؤكدًا أن من يهاجمون الأزهر هم أصحاب أجندات رخيصة، هدفهم "الترندات" وجني الأرباح.
الإساءة للأزهر
وحذر د. فؤاد من الأسئلة التي تطرحها مواقع التواصل عندما تسأل زائرها: «فيما تفكر يا فلان؟»، وفى المقابل أطرح سؤالًا آخر: من الذي يسألك هذا السؤال؟ لتكون الإجابة أنه شخص خارج الحدود يريد أن يعرف تفكيرك ومخططاتك لبلدك، ومن خلال معرفته لإجابتك سيدمر البلاد والعباد، وللأسف فإن البعض يقدم الصورة السلبية عن الأزهر، وعقيدتنا، وديننا.

كما حذر المشرف على الرواق الأزهري من الاستماع إلى فئة تتحدث عن تجديد الخطاب الديني على الشاشات، ويتغنون بشعارات زائفة، ويقدمون معلومات خاطئة، ونقول لهم: هذا ليس تجديدًا، إنما تزويرًا، يقولون: نريد الإنارة، وما يفعلونه عين الإثارة، والنور عندنا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ورسول الله ﷺ نور، لا يحتاج إلى تنوير، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾.
فالأمة الإسلامية كانت تملك العالم فى يوم من الأيام، فيجب أن نركز على ما يفيد البلاد، والعباد، والوطن، ونركز على تاريخنا الديني، والوطني، والإسلامي، والمسيحي، حتى نستطيع أن نُخرج جيلًا يعرف قيمة هذا الوطن، وما فيه من علماء أجلاء أوفياء، حفظوا لمصر ماء وجهها، وسيظلون يحفظون ذلك إلى يوم الدين.





