قال د. هاني عودة، مدير الجامع الأزهر، إن الأمة الإسلامية تعيش فترة عصيبة، حيث يُحاك بها تحديات كبيرة تستوجب الاصطفاف تعزيزًا لمكانتها بين الأمم، منبهًا أننا من على منبر الجامع الأزهر دائمًا نناشد الأمة الإسلامية والعربية أن تظل متمسكة بحقوقها، ونحذر من خطورة الاختلاف والفرقة المؤديين إلى الفوضى.
وكشف حقيقة ادعاءات البعض على منصات التواصل بأن بعض علماء الأزهر يتبعون مذهبًا معينًا، فتم الرد عليهم، مبينًا كيفية انتقاء أئمة القبلة من المواهب الشابة وطرق اكتشافها، ودور مدرسة التلاوة في ذلك.. جاء ذلك خلال حواره مع جريدة اللواء الإسلامي.
كما أكد موقف الأزهر من تشريع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، ووضع المسجد الأقصى الحالي.
فإلى نص الحوار:
● فى البداية، حقق الجامع الأزهر نجاحًا كبيرًا باكتشاف المواهب من حفظة القرآن وتقديمهم لإمامة القبلة في شهر رمضان، فكيف تم اكتشاف وانتقاء هذه المواهب ؟
●● يتم اكتشاف وانتقاء مواهب حفظة القرآن الكريم عبر لجان علمية متخصصة تُقيِّم جودة الحفظ، وأحكام التجويد، والوقف والابتداء، وجمال الصوت والفصاحة. وتشمل آليات الانتقاء المسابقات القرآنية، واختبارات تقييم الشخصية، وتجارب الأداء الصوتي المباشر، مع التركيز على إبداع التلاوة وسلامة الأداء، واستخدام منصات المسابقات لإبراز المواهب، حيث يتم تنظيم مسابقات على مستويات مختلفة (محلية، وطنية) تضع معايير دقيقة للحفظ والتجويد. أيضًا من خلال مراقبة المعلمين للمتميزين في سرعة الحفظ، وجودة الترتيل، وجمال الصوت أثناء الحلقات، ثم إتاحة الفرصة للمواهب الشابة للإمامة في الصلوات، مما يُظهر قوة حفظهم وثقتهم بأنفسهم.
مواهب مدرسة التلاوة
● ماذا عن آخر التطورات في مدرسة التلاوة من ناحية الإقبال واكتشاف المواهب ؟
●● تشهد مدرسة التلاوة المصرية بالجامع الأزهر إقبالًا كبيرًا، حيث تم إجراء اختبارات دقيقة لاكتشاف المواهب الصوتية الندية من طلاب جامعة الأزهر، وتدريبهم على القراءات العشر (عشرين رواية) والطريقة المصرية الأصيلة لتعزيز الهوية، مع التركيز على إعداد قراء متميزين للمشاركة في محافل الأزهر. وهناك إقبال كبير من المواهب، حيث يتم اكتشاف الموهوبين عبر اختبارات مكثفة تركز على الحفظ والتجويد وجمال الصوت، بهدف إنشاء قاعدة بيانات للمواهب. كما يركز المشروع على الأداء وفق «الطريقة المصرية» العريقة في التلاوة، وذلك تحت إشراف نخبة من القراء المعتمدين. وتحظى المدرسة برعاية شيخ الأزهر لضمان صقل مهارات قراء القرآن الكريم، وإعدادهم للمشاركة في المناسبات التي تُقام بالجامع الأزهر. وتستهدف هذه الخطوات تعزيز الهوية الإسلامية والمصرية، وإعداد جيل جديد من القراء يمثل الأزهر الشريف.
المذاهب والوسطية
● يدّعي البعض أن علماء الأزهر يتبعون مذاهب بعينها، فكيف يكون الرد عليهم ؟
●● إن الأزهر ليس «أحادي المذهب»؛ ففي أروقته يُدرَّس الفقه المقارن، وتجد كبار علمائه يتوزعون بين المذاهب الأربعة. هذا التنوع في حد ذاته ينفي تهمة التبعية الضيقة، ويؤكد أن الأصل هو الدليل العلمي حيثما دار.
كما يعتمد الأزهر منهجية علمية وسطية تجمع بين مذاهب أهل السنة الأربعة في الفقه (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي)، بهدف تحقيق التوازن وعدم التعصب، وأن هذا التبني لا يعني الانغلاق، بل هو التزام بمنهج مستقر يمثل يسر الإسلام وسماحته.
● تميّز الأزهر بدراسة تراث الفرق والمذاهب المختلفة والمخالفين منهم، وعرضها على الدارسين، فما الغرض من ذلك؟
●● يهدف الأزهر الشريف من دراسة تراث الفرق والمذاهب المختلفة والمخالفين إلى ترسيخ منهج الوسطية، وتكوين ملكة نقدية علمية لدى الدارسين لتمييز الصحيح من السقيم، وحماية المجتمع من الانحراف الفكري والتعصب، مع تعزيز قبول الاختلاف الفقهي والفكري، وإعداد علماء قادرين على رد الشبهات بالحجة والبرهان. وبذلك يهدف إلى: التحصين الفكري، والرد على الشبهات، وتعزيز قيم التسامح، وتنمية الملكة العلمية، والحفاظ على الهوية.
● ضمّ الأزهر بين أروقته أسماء بلدان من جميع أنحاء العالم، فما دلالة ذلك؟
●● الأزهر الشريف، عبر تاريخه، ضم أروقة تحمل أسماء بلدان وقارات مختلفة (مثل: رواق الشوام، والمغاربة، والجبرت، والأتراك)، مما يدل على عالمية الأزهر كقبلة للعلم، ودوره كمركز ديني وحضاري يحتضن المسلمين من شتى بقاع الأرض، ويعزز التبادل الثقافي والوحدة الإسلامية تحت مظلة الوسطية والاعتدال.
إن أبرز دلالات وجود أروقة بأسماء بلدان في الأزهر: عالمية الدعوة الأزهرية، والوحدة والتضامن الإسلامي، والتنوع الثقافي والمعرفي، والامتداد التاريخي. وتعكس هذه الأروقة دور الأزهر كمركز قيادي ديني عبر التاريخ، حيث كان الوافدون يعودون إلى بلادهم سفراء لمنهج الأزهر.
إذاعة القرآن الكريم
● صار هناك تعاون وثيق بين إذاعة القرآن الكريم وجامع الأزهر، فما الهدف من ذلك ؟
●● يهدف التعاون الوثيق بين إذاعة القرآن الكريم والجامع الأزهر إلى ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، ونشر الفكر الديني الصحيح، ومحاربة التطرف عبر برامج مشتركة. ويشمل التعاون نقل فعاليات وأروقة الجامع الأزهر، وملتقيات القضايا المعاصرة، وإعداد مواهب جديدة في قراءة القرآن الكريم ونشر رسالته.
ومن أبرز أهداف هذا التعاون: نشر الفكر الوسطي، وتقديم الفهم الدقيق للقرآن والسنة، ومحاربة الأفكار المتطرفة، بالإضافة إلى إحياء دور الجامع الأزهر ببث الندوات والملتقيات الفكرية (مثل ملتقى القضايا المعاصرة) مباشرة من الجامع الأزهر، وتأهيل قراء القرآن، وإطلاق مراكز إعداد وتطوير معلمي وقراء القرآن الكريم، وإبراز المواهب الشابة، وتعزيز الوعي القومي، وترسيخ معاني حب الوطن والقيم الأخلاقية من خلال برامج إذاعية متخصصة، والمعالجة الفكرية للقضايا المعاصرة، ومناقشة مستجدات العصر بأسلوب فقهي رصين من خلال علماء الأزهر عبر أثير الإذاعة.
● خلال زيارتكم الخارجية لأوروبا ولقاءاتكم المختلفة مؤخرًا، هل نحتاج إلى تكثيف أو تعديل أو تغيير في طرق إلقاء الخطاب الديني للغرب لمواكبة التحديات أو المتغيرات العصرية، وللحد من العنصرية والكراهية ضد المسلمين؟
●● نعم، هناك حاجة ماسة لتحديث وتطوير طرق إلقاء الخطاب الديني الموجه للغرب، مع التركيز على فهم سياقهم الثقافي وتطبيق مقاصد الشريعة بدلًا من مجرد تغيير النصوص. ويتطلب ذلك خطابًا عقلانيًا إنسانيًا يركز على قيم التعايش والعدالة الاجتماعية والبيئة، واستخدام أدوات التواصل الحديثة بذكاء لإيصال صورة الإسلام الصحيحة، مما يعزز الحوار والتفاهم المتبادل. ومن أهم النقاط لتطوير الخطاب الديني للغرب: التركيز على القيم المشتركة، وعقلنة الخطاب الديني وتجديد الفهم، وتبني خطاب قائم على الحكمة، والابتعاد عن خطاب «الأحادية»، والاستفادة من الوسائط الرقمية.
الاصطفاف والفرقة
● نعيش اليوم ظروفًا استثنائية في العالم، يقابلها ارتفاع أسعار وسخط البعض، فما أهمية الاصطفاف خلف القيادة الوطنية وخطورة الفرقة في الوقت الراهن؟
●● يُعدّ التلاحم بين الشعب وقيادته في الوقت الراهن واجبًا وطنيًا، وضرورة لبقاء الدولة قوية ومتماسكة. إن أهمية الاصطفاف خلف القيادة الوطنية تتمثل في الآتي: صمام أمان للأمن القومي؛ إذ يمثل وحدة الصف الداخلي الدرع الواقي ضد التهديدات الخارجية التي تحيط بالمنطقة.
إدارة الأزمات: يتيح تماسك الجبهة الداخلية للقيادة اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة في الأوقات الضاغطة، مما يضمن العبور الآمن للأزمات واستمرار التنمية، ويضمن استكمال المشروعات القومية والتنموية الشاملة، مما يحقق استقرارًا اقتصاديًا، ويعزز مكانة الدولة ويدعم القيادة. كما أن الاصطفاف يعطي ثقلًا للمواقف الخارجية للدولة، ويعزز مكانتها كقوة إقليمية مسئولة. وعلى الجانب الآخر، فإن الفوضى والانقسام يؤديان إلى تفكك المجتمع وغياب القيادة الموحدة، مما يسبب الغرق في الفوضى؛ فالفرقة توفر بيئة خصبة لقوى خارجية للنيل من استقرار البلاد، وتضعف القدرة على مواجهة التحديات، فيضيع الجهد، ويصبح التركيز على الصراعات الداخلية بدلًا من البناء والتقدم.
القضية الفلسطينية
● ما موقف الأزهر من القضية الفلسطينية بعد نشر تشريع قانون بإعدام الأسرى الفلسطينيين؟ وما وضع المسجد الأقصى الحالي؟
●● موقف الأزهر الشريف، بقيادة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، هو موقف مبدئي وتاريخي لا يتجزأ؛ فنحن نرى أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي، بل هي قضية إنسانية وعقدية في قلب كل مسلم وعربي. فالأزهر يجدد دائمًا تأكيده على أن «الكيان الصهيوني» هو احتلال غاصب، وأن كل الممارسات التي تهدف إلى النيل من صمود الشعب الفلسطيني هي محاولات يائسة لن تغير من حقيقة الأرض شيئًا.
وبالحديث عن الإجراءات الأخيرة بشأن تشريع قانون يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين، أؤكد أن هذا التشريع وصمة عار في جبين الإنسانية والمجتمع الدولي، ويرى الأزهر في هذا القانون إرهابًا قانونيًا يهدف إلى شرعنة القتل الممنهج وتصفية المقاومين والمدافعين عن أرضهم، وانتهاكًا صارخًا للشرائع السماوية التي كفلت حق الدفاع عن النفس وحماية الأسير.
وأُنبّه إلى أنه يمثل تحديًا للقوانين الدولية؛ حيث يضرب هذا القانون بعرض الحائط كافة الاتفاقيات والمواثيق التي تنظم حقوق الأسرى. وقد صرح الأزهر الشريف مرارًا بأن هذه «القوانين العنصرية» لن تزيد الشعب الفلسطيني إلا إصرارًا، ونحن نطالب أحرار العالم والمنظمات الحقوقية بالوقوف ضد هذا التغول الوحشي الذي يشرعن الموت بدم بارد.
أما عن الموقف الراهن من المسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى بالنسبة للأزهر خط أحمر لا يقبل القسمة ولا التفاوض. ومن خلال متابعة تصريحات قطاعات الأزهر المختلفة، نؤكد على الثوابت التالية:
إسلاميته الخالصة: المسجد الأقصى بكامل مساحته مسجد إسلامي خالص، ولا حق لغير المسلمين في شبر واحد منه.
رفض التقسيم: نرفض بشكل قاطع كافة محاولات التقسيم التي يحاول الاحتلال فرضها كأمر واقع من خلال الاقتحامات المتكررة.
كما يحيّي الأزهر الشريف صمود أهلنا في القدس والمرابطين في ساحات الأقصى، ويعتبر دفاعهم عن المسجد دفاعًا عن شرف الأمة بأكملها.
ومن جهته، يعمل الأزهر الشريف على نشر القضية الفلسطينية بلغات العالم؛ لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي يحاول الإعلام الغربي ترويجها. والمتأمل في مقتضيات المرحلة الراهنة، وما تمر به القضية الفلسطينية من منعطفات تاريخية، يدرك يقينًا أن وحدة الصف العربي ليست مجرد خيار دبلوماسي، بل هي ضرورة وجودية وفريضة شرعية وقومية.
وتتجلى أهمية الوحدة العربية في كونها الدرع الحصين الذي يحمي المكتسبات، والمنصة التي يُسمع من خلالها العالم صوتًا واحدًا لا يقبل التأويل؛ فبالوحدة يتحول الصمود الفلسطيني من معركة شعب إلى معركة أمة، وبالتكامل العربي تصبح الرؤية نحو استعادة الحقوق المشروعة أكثر وضوحًا وقدرة على التحقق في مواجهة التحديات الكبرى.
وهناك رسالة أخيرة أوجهها من منبر الجامع الأزهر إلى العالم، وهي أن الظلم مهما طال ليله، فإن فجر الحرية آتٍ لا محالة. نناشد الأمة الإسلامية والعربية أن تظل متمسكة بحقوقها، وألا تغفل عن القضية الأم؛ فالقدس ستبقى عربية، والمسجد الأقصى سيبقى شامخًا في وجه كل المحاولات اليائسة لتهويده.
وهذا وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن «مشيخة الأزهر»، و«مرصد الأزهر لمكافحة التطرف»، و«مجمع البحوث الإسلامية».



