بقلم/ الشيخ علاء الدين أبو العزائم
يُعدّ شهرُ صفر من الشهور الهجرية التي كُثُر حولها الحديث، فاختلط على بعض الناس ما بين المعنى الصحيح وما رسخ في الوعي من أوهام، وإنَّ من واجب المؤمن أن يزن الأمور بميزان الدين: كتابًا وسنّةً، وفهمًا لأهل العلم.
لا يثبت في الشريعة الإسلامية الغراء أن في شهر صفر نحسًا بذاته أو أنه يجلب شَرًّا على الأفراد والبلاد؛ وإنما الشؤم كما قرره الشرع لا يكون بطالع شهرٍ أو يومٍ، بل يكون بما يقع من ذنوب وظلم وفساد، وما يُبتلى به الإنسان بسبب تقصيره. وقد صحّ عند أهل العلم أن النبي ﷺ نهى عن اعتقادات الجاهلية، وأبطل ما كان يُظَنّ من تأثيراتٍ غيبيةٍ على الشهور.
ومن ثمّ فصفر كسائر الشهور وعاءٌ للتقوى، تتبدّل فيه الأعمال، وتُمحى فيه السيئات إن صدقت التوبة، وتُكتب فيه الحسنات إن أخلص العبد وخاف مقام ربه.
تاريخ الأمة الإسلامية في زمن النبوة والخلافة الراشدة يبيّن أن الشهور لا تقف وحدها، بل تُبنى فيها مواقف الرسالة، وفي الجملة، ارتبطت بدايات الفتوحات وتحركات المسلمين بأوقاتٍ مختلفة من السنة الهجرية، ومن ذلك شهر صفر؛ فقد شهدت سرايا النبي ﷺ وغزوات المسلمين في فتراتٍ متعددة من الشهور ومن ضمنها صفر تحضيرًا للجهاد ودفعًا لأذى المعتدين، ونشرًا لقيم العدل بعد أن كان الظلم هو السائد.
كما أن صفَر في الوعي التاريخي الإسلامي يتكرر ذكره في سياق التهييء العسكري ومكاتبات الدول وتثبيت معاني الولاء لله ورسوله، وحين نتساءل كيف نحيي فضائل هذا الشهر في حياتنا المعاصرة؟ نجد أن إحياء فضائل صفر لا يكون بتطيرٍ أو تعطيلٍ أو طقوسٍ لا أصل لها، بل يكون بالسلوك القويم، ومن ذلك:
التوبة الصادقة: أن نراجع حساباتنا، فنترك الذنب الذي يجرّ إلى قسوة القلب، ونستقبل الشهر بعزمٍ جديد على الطاعة.، والصلاة على النبي ﷺ: فهي ذكرٌ يطهّر النفس، ويجمع القلوب على الخير، ويحيي روح الانتماء لسُنّته، والإحسان والصدقة: أن نُخفّف عن المحتاج، ونكفّ يد الظلم، ونوسع دائرة المعروف في البيت والشارع. وحسن الظن بالله مع العمل: فلا نتكل على الكلام، بل نُحسن الأخلاق، و نحفظ اللسان، ونردّ المظالم، وإحياء ذكر الله في اليوم: بقراءة يسيرة للقرآن، أو أذكار الصباح والمساء، أو قيام ركعتين بنية صالحة؛ فالقليل المستمر دواءٌ للنفس.
ختاماً فإن شهر صفر كغيره محطةٌ تربويةٌ لإعادة بناء القلب، فإذا أزلنا من عقولنا خرافة “النحس”، وزرعنا مكانها الإيمان والعمل الصالح، صارت أيام صفر نورًا لا سوادًا، بركةً لا نكدًا، وسببًا لتقويم الطريق نحو الله.



