العنف المجتمعي جريمة دينية وأخلاقية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يعد العنف فى المجتمع المصري مجرد حوادث متفرقة تتصدر صفحات الحوادث، بل تحول فى الآونة الأخيرة إلى ظاهرة تفرض نفسها على المشهد اليومي، وتدق ناقوس الخطر بشأن ما يعتري منظومة القيم والعلاقات الإنسانية من تصدعات. فمن داخل الأسرة إلى الشارع، ومن المدارس إلى مواقع التواصل الاجتماعي، تتكرر مشاهد القسوة بصورة تثير القلق، وكأن لغة الحوار تراجعت أمام لغة الغضب، وحل الانفعال محل الحكمة، وأصبحت الخلافات البسيطة تنتهي أحيانًا بمآسٍ لا تُحمد عقباها.

وفي ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية متزايدة، يطرح هذا الواقع أسئلة ملحة، لماذا ارتفعت معدلات العنف؟ وهل فقد المجتمع جزءًا من رصيده الأخلاقي الذي طالما ميَّزه بالتسامح والتراحم؟ أم أن ما نشهده هو انعكاس لتغيرات متسارعة مست القيم وأنماط التنشئة ووسائل التأثير في الأجيال الجديدة؟.. كل هذا سيجيب عنه التحقيق التالي.

د. سعيد المصري: الدراما والإعلام شريكان في صناعة الوعي

يرى د. سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن العوامل النفسية تلعب الدور الأكبر في انتشار هذه الظاهرة، ويتم من خلالها استعمال العنف اللفظي أو الجسدي والاعتداء على الآخرين والتطاول على القانون من أجل تحقيق مصالح شخصية غير مشروعة.

مشيرًا إلى أن هذه الظواهر تزايدت حدتها بشكل لافت في السنوات الأخيرة، مع ما يصاحب ذلك من سلوك شاذ من بعض الأفراد في الأماكن العامة، ما يعكر السلم المجتمعي ويقلق الجميع، مبينًا أن أسباب انتشار العنف ترجع إلى عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وقانونية وسياسية، ينحصر أهمها في ضعف الثقافة القانونية لدى شريحة كبيرة من الناس بسبب الجهل بالقانون باعتباره الوسيلة المشروعة للحصول على الحقوق، وهذا يدفع عددًا منهم إلى العنف وأخذ الحق باليد.

انتشار الجريمة

ويضيف أن الناظر للشأن الاجتماعي في الوقت الحالي يقرأ عناوين ساخنة تعكس حالة من التفسخ الاجتماعي بعد انتشار الجريمة داخل الأسرة الواحدة أو على نطاق المجتمع ككل، مؤكدًا أن هذه الجرائم أصبحت تحمل معها خطورة الابتعاد عن الالتزام بالدين وعدم اتباع أوامره، فضلًا عما تشكله من خلخلة في بنية المجتمع وتفكيك نسيج الأسرة الواحدة، وهو ما يترتب عليه غياب ثقافة التسامح وروح الحوار، حتى أصبح استخدام العنف الاجتماعي هو السبيل لحل الخلافات.

أقرأ أيضا: البحوث الاجتماعية والبحث العلمي يحذران:العنف الأسري كارثة مجتمعية

ويشدد المصري على ضرورة التصدي لهذه الظاهرة التي تشوه الوجه المشرق لمجتمعنا الطيب، وتكاتف الجهات ذات العلاقة للقضاء عليها، من خلال تشخيص دقيق للأسباب ووضع الحلول العملية الصحيحة لها، وتنوير وتثقيف الناس بأننا نعيش في دولة يسودها القانون كوسيلة حضارية لحل جميع النزاعات، وعلى الجميع الابتعاد عن شريعة الغاب.

ويتابع أن من أهم الوسائل للحد من هذه الظاهرة الدخيلة تدعيم الثوابت الدينية والوطنية من خلال الأسرة في المقام الأول، بدعوة الآباء أبناءهم إلى التعايش السلمي وقبول الآخر وترسيخ قيم التسامح، والمدرسة من خلال زيادة النشاطات اللامنهجية في الفصول لإشغال الطلبة بما هو مفيد والابتعاد عن كل ما هو ضار، والمسجد كذلك بدعوة أئمة المساجد إلى تحمل واجباتهم الدينية والأخلاقية، ودعوة الناس إلى التمسك بمنظومة القيم الموروثة عن الآباء والأجداد.

ووجَّه المصري رسالة إلى القائمين على صناعة الإعلام والدراما والسينما بأن يضطلعوا بدورهم في توعية الناس بمخاطر العنف المجتمعي، وأن يواجهوا بكل قوة مظاهر العنف على اختلافها، مطالبًا صناع الدراما بحسن اختيار الأعمال والابتعاد عن المشاهد التي تحمل طابع العنف، خاصة بعدما رأيناه مؤخرًا من تكرار لأعمال عنف في بعض الأعمال الدرامية على أرض الواقع.

د. محمود مهني: الحل في تعزيز ثقافة الرحمة والتسامح

ويضيف د. محمود مهني، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن من سمات الدين الإسلامي الحنيف أنه دين السلم والسلام، وأساس ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.

ويشير إلى أن ممارسة هذه القاعدة في العلاقات مع غير المسلمين في وقت السلم موجودة في ظل حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري عن عروة، عن أسماء قالت: «قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع ابنها، فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي قدمت وهي راغبة؟ قال: نعم، صلي أمك».

ومما يدل أيضًا على الدعوة إلى السلام والسلم قوله صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق»، ويقول أيضًا: «أفشوا السلام بينكم». والإسلام إنما حث على السلام لأنه يحطم مؤامرات الشيطان ويؤلف القلوب ويوجهها إلى العمل المثمر المفيد، وهو في الوقت نفسه ينبذ العنف والظلم والاستبداد ويرفضها؛ لأنها أمور ضد الطبيعة والفطرة الإنسانية، ولأنها لا تؤلف القلوب بل تنفرها.

ويوضح د. مهني أن الأزهر وضع الكثير من الحلول الناجعة لعلاج هذه الظاهرة، كما أن منهجه قائم على الرحمة ونبذ العنف، ومن ذلك أنه يعلم أبناءه أن «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وأن «الراحمون يرحمهم الرحمن»، ولذلك فقد اتخذ الأزهر خطوات كبيرة نحو تحويل الرحمة إلى واقع، والتصدي للعنف بكل أشكاله، عبر تصحيح المفاهيم الخاطئة وإطلاق مبادرات شبابية كثيرة ومتنوعة تهدف إلى توعية الشباب بمخاطر العنف وتعزيز التسامح والرحمة بينهم.

اقرأ ايضا: العنف الأسرى شبح يهدد عش الزوجية

مضيفًا أن الأزهر، بجانب ذلك، قد أنشأ اللجنة العليا للمصالحات لمواجهة العنف في صعيد مصر، وأنشأ وحدة لم الشمل لمواجهة العنف الأسري، كما عمل على نشر وعاظه وعلمائه في مختلف المحافظات لنشر الرحمة والتسامح.

ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء أن الإيمان والأمن مترابطان، فكلما زاد الإيمان زاد الأمن، والقرآن الكريم مليء بالكثير من مواطن الرحمة التي تدلنا على أن الله رحيم بعباده، إلا أن ذلك لم ينعكس على سلوكياتنا نتيجة عدم فهمنا معنى الإيمان، وذلك هو سبب انتشار ما نراه من ارتفاع في وتيرة العنف وضعف في مظاهر الرحمة والتسامح.

د. أحمد خيري: الإسلام صان النفوس وحرَّم الاعتداء عليها

من جانبه، يؤكد د. أحمد خيري، مدرس الفقه بجامعة الأزهر، أن الإسلام دين رحمة وسلام، وأن جميع صور العنف والاعتداء على النفس أو المال أو العرض محرمة شرعًا؛ لأنها تهدم مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ الإنسان وكرامته، مشيرًا إلى أن معالجة ظاهرة العنف لا تقتصر على العقوبات القانونية، بل تبدأ من بناء الوعي الديني الصحيح وترسيخ قيم الحوار والتسامح وضبط النفس داخل الأسرة والمدرسة والمسجد، مؤكدًا أن الكلمة الطيبة والقدوة الحسنة من أهم وسائل الوقاية من انتشار العنف في المجتمع.

ويستشهد د. خيري بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، كما أشار إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، مؤكدًا أن نشر ثقافة الرحمة والتعايش مسئولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية.
ويؤكد مدرس الفقه أن الإسلام عندما يوفر قاعدة عريضة لمقاومة العنف، فإنه يكون بذلك قد حفظ حقوق الأفراد وأكد التزاماتهم، ويكون بذلك قد ساعد على إيجاد مجتمع متوازن.

د. سيف قزامل: الجهل وغياب الضمير وراء العنف

من ناحيته، يوضح د. سيف رجب قزامل، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ترفض جميع أشكال القسوة والتعدي على الغير. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: «... لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم ...»، مؤكدًا أن ديننا الحنيف، كباقي الديانات السماوية، ضد أي تجاوز بحق الإنسان في مختلف الأصعدة، فهو المكرم من الله سبحانه وتعالى، وهو «أغلى ما نملك» وعماد أي مجتمع قائم.

ومهما اختلفت المبررات، فهذا لا يعطي أي فرد في العائلة الحق في الاعتداء والتعنيف تجاه الآخر، وعليه لا بد من تشديد العقوبات تجاه الجاني، واتخاذ الإجراءات اللازمة مع كل حالة تستدعي التوقف عندها والبحث في تداعياتها، مشيرًا إلى أن العنف الأسري أصبح جزءًا لا يتجزأ من القضايا المجتمعية التي ازدادت أعدادها في الآونة الأخيرة.

ضحايا جهل

وتابع أن كل من يتعرض للعنف هو ضحية مظلومة من خلل تسبب به الجميع تحت ذرائع ما أنزل الله بها من سلطان، كالحفاظ على الأخلاق معنونة بقضايا الشرف، والحرمان من الحقوق المالية كالإرث والمعونات وغيرها، ممن يحول المذنب من وجهة نظره المحدودة إلى قاضٍ متجبر يحكم تعسفًا وجورًا.

وللأسف هنا فقد تعددت الأسباب، والظلم أيضًا قد تعددت أشكاله من تجريح وتعذيب وقتل وسلب أرواح هي بريئة من كل هذا أمام الله عز وجل، وقد آن الأوان لنتعظ ونعتبر من احتراق ضمائرنا لغياب أحبة في القلب من لحظة غضب فانية.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا