العنف الأسرى شبح يهدد عش الزوجية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

د. وليد جاد الله: عدم التأهيل النفسى وإهمال الأسرة أهم الأسباب

د. فادية عمر: الوعى وتصحيح المفاهيم العلاج الأمثل

د. سهير على: سن قوانين لحماية الضحايا وتعديل السلوك

الشيخ محمود الجبرتى: الإسلام حث على الرفق والرحمة بين الزوجين

 

شهد المجتمع المصري في الآونة الأخيرة العديد من حالات العنف الأسري، بين الأزواج بعضهم بعضا، وتسجل دفاتر أحوال الشرطة بشكل متواصل العديد من هذه الانتهاكات التي تصل لحد القتل، إذ تزايدت أعداد ضحايا العنف الأسري بين الأزواج بشكل ملحوظ، لتضعنا أمام تساؤل مهم، ما الأسباب التي تدفع الأزواج لارتكاب مثل هذه الانتهاكات التي تصل لحد ازهاق الروح، وتهدد كيان الأسرة؟

ووفقا لتقارير المجلس القومي للمرأة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نجد أن 46% من النساء في مصر يعانين من شكل من أشكال العنف الأسري خلال حياتهن، وأن 25% من حالات العنف ترتكب من قبل الأزواج.

"اللواء الاسلامى" تدق ناقوس الخطر خلال السطور التالية للتعرف على الأضرار النفسية والاجتماعية وأسباب هذه الظاهرة.

 

يؤكد د. وليد جاد الله، استشاري تعديل السلوك، أن العنف الأسرى بجميع أشكاله من تنمر وضرب وإهانة وعدم اهتمام هو أحد الأسباب القوية التي تؤدي إلى الطلاق، مشيرا إلي أن من مظاهر هذا العنف الأخري إهمال الأسرة، وترك مسئولية تسيير شئون المنزل على عاتق الزوجة، ما يزيد من الأعباء والضغوط النفسية عليها، موضحا أن الظروف الاقتصادية الراهنة أدت إلى سوء وضع الأسر المادى، وهو ما أكدته الدراسات الحديثة من أن نحو 41% من حالات الطلاق أسبابها المشكلات المادية، فضلا عن عدم التأهيل النفسى قبل الزواج، سواء كان ذلك بالنصح والتوجيه من قِبل ذوي الرأي الرشيد، أو بعدم وجود النموذج الأسري الذي يقتدي به قبل الزواج، كما يبدو ذلك واضحا داخل الأسر المفككة التي لا رابط بين أفرادها، أو التي تتخذ من التعنيف والتأنيب مسلكًا لها

ويطالب د. وليد الحكومة بضرورة  تنفيذ كورس تأهيل قبل الزواج، فضلا عن زيادة الوعي بالأسرة واحتياجاتها من خلال تقرير مناهج تعليمية تدرس بشكل موثق، حيث يُطرح فيها نقاط مهمة مثل ميزانية الأسرة، وكيفية اختيار الشريك، وسيكولوجيته، وكيفية التعامل والحديث والتفكير معه.

اختيارات خاطئة

وترى د. فادية عمر، مدرس علم النفس بجامعة القاهرة أن البعض ينظر إلى الزواج باعتباره مكملًا للصورة الاجتماعية، وعندها يكون الاختيار قائمًا على الإمكانيات أو الشكل فقط، أما الدافع الثانى هو عامل السن، فإذا ما وصلت الفتاة لسن معينة دون زواج تصبح في نظر المجتمع "عانسا" وللخروج من هذه الأزمة تضطر للموافقة علي الزواج من أي شخص يتقدم لها، أما تأخر سن الزواج عند الشاب فيدفع أسرته إلي المسارعة في تزويجه خوفا عليه من الأنحرافات، فتزويج الشاب بهذا الشكل يحوله إلي شخص اعتمادي وغير مسئول.

وتعدد د. فادية دوافع الزواج الأخري والتي منها محاولة الوصول إلي صورة معينة تصدرها مواقع التواصل وهى صورة غير حقيقية وغير قابلة للتحقيق على أرض الواقع، فضلا عن دوافع أخرى مثل الهروب من التحكم داخل بيت الأهل، أو محاولة بائسة للبحث عن الأمان وحتى لو كان هذا الأمان أمانا مزيفا من شدة الألم فى الوضع الحالى الناتج عن الانتهاكات والعنف والاستغلال.

وتؤكد مدرس علم النفس أن الضغط النفسى الناتج عن مفاهيم مغلوطة داخل عش الزوجية يعتبر البوابة الرئيسية للأمراض والاضطرابات النفسية، إلي جانب الاستعداد الجينى الناتج عن التاريخ الأسرى فى العائلة، والذى قد ينتج فى معظم الأحيان لنقص المهارات الحياتية مثل مهارة التعامل مع الضغوط، أو مهارة حل المشكلات، أو اتخاذ القرارات، أو التواصل الإيجابى، مبينه أنه من الأخطاء الشائعة لجوء بعض الأزواج إلي غير المتخصصين، ممن ينصحوهم بشكل خاطئ، فيتجهوا إلي الانتحار بسبب دخولهم فى دائرة مفرغة من الصدمات والنكسات والإحباط.

وتنصح د. فادية للخروج من هذه الأزمة اتباع عدد من الإرشادات أهمها الوعى، الذي يتمثل فى تصحيح المفاهيم، فعند حدوث مشكلة داخل عش الزوجية يجب اللجوء لمتخصص، كما تنصح بضرورة تأخر الإنجاب لحين التأهيل النفسى، والتأكد من أن الزوجين شريكان وليسا متنافسين أو عدوان.

التوعية والتثقيف

وتقول د. سهير على أستاذ علم الاجتماع، أن أسباب العنف الأسري، ترجع إلي عوامل كثيرة منها ما هو فردي مثل حدوث اضطرابات نفسية، وتعاطي المخدرات، وعدم القدرة علي التحكم في الغضب، فضلا عن عوامل أسرية ترجع إلي تاريخ من العنف في الأسرة، وضعف المهارات الاجتماعية، وعدم المساواة بين الجنسين، بإضافة إلي عوامل اجتماعية مثل الفقر، والبطالة، والعزلة الاجتماعية، موضحة أن من آثار العنف الأسري على الأسرة حدوث أضرار صحية من إصابات جسدية، ومشاكل نفسية مثل الاكتئاب والقلق، واضطرابات في النوم، فضلا عن آثار اجتماعية تؤدي إلى العزلة عن الآخرين، وصعوبة تكوين علاقات صحية مع أفراد المجتمع، إضافة إلى مشاكل في العمل.

وترى د. سهير أنه للحد من العنف الأسرى يجب الاتصال بالخط الساخن المخصص للعنف الأسري، أو إبلاغ السلطات المختصة، مع توفير الدعم النفسي للضحايا ووجود مراكز إيواء، فضلا عن المساعدة القانونية، كما يجب التوعية والتثقيف، وذلك من خلال برامج توعوية للحد من العنف الأسري وتعزيز القيم الأسرية الإيجابية، فضلا عن سن قوانين وتشريعات لحماية الضحايا ومعاقبة الجناة، وتنصح بضرورة وضع برامج تأهيل للمعتدين لتعديل سلوكياتهم. وفي النهاية لا بد من تعاون الجهات الحكومية والمجتمع المدني في مواجهة العنف الأسري.

غياب الوعي

ومن جانبها تقول د. ملك أحمد، مدرس علم الاجتماع ببنات عين شمس، إن حالات العنف الأسرى ضد الأبناء أكثر بشاعة من العنف الأسرى الذي تتعرض له الزوجات، ويتمثل ذلك فى التخلى عنهم وعدم الاهتمام بهم وبمستقبلهم، إضافة إلى غياب الوعى الثقافي عند الكثير من الأسر، المتمثل في عدم تأهيل أبنائهم، وعدم تربيتهم على معنى الحياة الأسرية بمفهومها الصحيح، مطالبة بضرورة تنفيذ القانون بقوة حتى يكون رادعا للمخطئين.

وتضيف د. ملك أنه مع تسارع وتيرة التطور الذي نعيشه أصبحت هناك ازدواجية فى تربية الأبناء، فضلا عن أنه بعد الزواج مباشرة تبدأ الأم بالضغط على ابنها أو ابنتها لسرعة الإنجاب دون التجهيز لاستقبال طفل جديد وتوفير بيئة مناسبة له حتى تتم تربيته بشكل سليم، لذلك نجد آباء يقومون بممارسة عنف ضد أطفالهم بحجة ضعف الإمكانيات وعدم القدرة على الصرف عليهم، كما نرى فى كثير من الحالات؛ تخلى الأب عن أطفاله لعدم قدرته على إعالتهم.

الرفق والرحمة

وفي السياق نفسه يؤكد الشيخ محمود الجبرتى، أمين لجنة الفتوى، أن الإسلام يرفض العنف الأسري بكل أشكاله، سواء كان عنفًا جسديًا أو نفسيًا أو لفظيًا، فالشريعة الإسلامية تحث على الرفق والرحمة في التعامل بين أفراد الأسرة، وتدعو إلى بناء علاقات قائمة على المودة والاحترام المتبادل، مشيرا إلى أن الشرع الحنيف حذر من العنف بجميع صوره وأشكاله، وحضَّ على الرفق في معالجة كل شئون الحياة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى الرفق في الأمر كله، ومن العنف الممنوع شرعًا: ما يطلق عليه: "العنف الأسرى"؛ فلم يَرِد أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب أحدًا من زوجاته أبدًا؛ بل صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن ضرب النساء، فممارسة العنف ضد الزوجة لا علاقة له بالإسلام، بل إن المصادر التشريعية للمسلمين تحث على الرحمة والمودة في الحياة الزوجية ولا تدعو بحالٍ إلى ضرب النساء وظلمهن.

 

ترشيحاتنا