على عكس المتشائمين السوداويين من رقم 13 الذين يظنون أنه نذير سوء، جبر الله خواطرنا فى العام الثالث عشر لثورة الشعب المباركة لتنحية الخونة والأفاكين عن طريق الوطن؛ فقد جاءت الانتصارات تتلو الانتصارات فى هذا العام زيادة على الأعوام السابقة، وكأنها تُخرج ألسنتها للكتائب الإلكترونية المتربصة، ولتقول للجميع: إن الله سبحانه يجبر بخاطر هذا الشعب، ويقف معه، ويؤيده، وينصره على أعدائه، وهو وحده القادر على إخراس ألسنة البغض والكراهية لكل تقدم وطني يُكافح من أجله الشعب وتُحققه القيادة السياسية الواعية التي تؤمن بنصر الله ووعده الصادق للمخلصين المنافحين عن كيان أمة عريقة بذلت من دماء أبنائها الكثير لتحفظ كرامتها وتُبقي صفحتها مُضيئة خالدة بين الأمم.
لا يستطيع أعتى المخرجين العالميين إخراج هذا المشهد المتوضئ بالأنوار الوطنية؛ الجنود يقفون فى بنيان مرصوص بجوار بعضهم، بقلب واحد، وأجساد متعددة، الأسلحة التي يحملونها جزء غير منفصل عن وجودهم، نظراتهم تحمل الأنفة والعزة والصمود، انتظارًا للأوامر: كتفًا سلاح، لليمين دُر؛ وهو الانضباط المعهود عند قواتنا المسلحة الباسلة؛ ولكن القائد الأعلى، والأب الرحيم، يأمر بأن تكون الأسلحة "جنبًا سلاح"؛ إنه الرئيس الذي يخشى على أبنائه من الإرهاق والحر، وهو نفسه الذي يثق فيهم ويعلم أنهم جبال رواسي لا تُضنيهم العواصف ولا تزعزعهم القواصف؛ ورغم جلال المناسبة، فإن عين الأب القائد لا تغفل عن راحة أبنائه الجنود.. ثم يأتي التوجيه الرئاسي للموسيقى العسكرية بعزف «سلام الشهيد»؛ يحرص القائد دائمًا أن تكون صورة أبنائه الشهداء حاضرة فى الذاكرة الجماعية للأجيال الجديدة؛ فى لحظات الانتصار والبناء لا ننسى الفخر بمن ضحوا بأرواحهم فداء لهذا الوطن؛ إنه وفاء القائد والزعيم والمثال الراقي للأبوة والإيثار.. ثم مشهد التكاتف بين القائدة يدًا بيدٍ مع قائدهم الأعلى للتأكيد أن الجيش الباسل يقف جسدًا واحدًا ويحمل روحًا واحدةً دفاعًا عن هذا الوطن؛ وهي رسالة لكل من تسول له نفسه الأمارة بالخيانة محاولة الاقتراب من الأمن القومي المصري.
اقرأ أيضا:توثيق السردية الوطنية
إنها مجموعة رسائل كللت مشهد افتتاح العقل المفكر للوطن بتاج الفخر والعزة والمحبة والسلام.. رسالة تقول للعالم أجمع إن مصر تبني مستقبلًا جديدًا لا تنظر فيه للخلف، وإنما تتطلع إلى نجوم السماء.
●●●
فضلًا عن مظاهر القوة البادية والبأس الشديد فى هذا المشهد التاريخي؛ لم تغب النظرة الجمالية والذوق الرفيع عن المنظمين، فظهرت أم المصريين السيدة انتصار السيسي وزوجات القادة فى زي متشابه ليعطي انطباعًا ثابتًا أن المرأة صنو الرجل فى التضحية والفداء من أجل الوطن؛ كما يدل أن لدى القيادة السياسية قناعة ثابتة بأن المرأة المصرية جزء رئيسي من منظومة التضحية والفداء ومن ثم الفخر والانتصار.. ولهذا فقد جاءت احتفالية اِفتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة متكاملة، مُبهرةً، جمالًا وجلالًا، تليق بأحدث الوسائل التكنولوجية التي تعتمد عليها العقيدة القتالية للجيش المصري، كما تليق بدولة تحمل على كاهلها تاريخًا عريقًا وحضارة ممتدة لآلاف السنين؛ دولة تعلن بأن هذا الصرح الوطني الشامخ الذي يعلو فى قلب عاصمتنا الجديدة شاهدٌ على إرادة أمة لا تعرف المستحيل.. وكان فى استقبال الرئيس الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، ثم استقل الرئيس عربة مكشوفة إلى المنصة الرئيسية للاحتفال، ورافقه بها القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة؛ تزامنًا مع إطلاق 21 طلقة ومُرافقة جوية بالطائرات الأباتشي؛ حيث تفقد الرئيس فى الطريق نحو المنصة القوات والمُعدات المُصطفة، وعزفت الموسيقى العسكرية.
وجاءت كلمة الرئيس السيسي كاشفة عن حجم التحديات التي خاضتها الدولة المصرية طوال السنوات الماضية؛ وأنه لا مجال للعشوائية عند بناء الجمهورية الجديدة، ولهذا فلم يكن اختيار العاصمة الجديدة مقرًّا لهذا الصرح مصادفة؛ بل هو تجسيد حي لركائز الجمهورية الجديدة، فالقيادة الاستراتيجية للدولة تمثل نقلة نوعية فى منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات، بما تمتلكه من بنية تكنولوجية متقدمة، وأنظمة اتصالات مؤمنة، وقدرات فائقة على جمع المعلومات وتحليلها، وربط المستويات القيادية والتنفيذية فى إطار واحد، يحقق أعلى درجات التكامل والدقة، وسرعة الاستجابة.
اقرأ أيضا: 30 يونيو دولة بناء الإنسان
وأوضح الرئيس أن هذه القيادة ليست معنية بإدارة المواقف العسكرية فحسب؛ بل هي ركيزة أساسية فى قدرة الدولة على مواجهة التحديات والظروف الاستثنائية وفق رؤية شاملة ونظم متطورة، تجعل أمن الوطن واستقراره فوق كل اعتبار، وتواكب عالمًا تتسارع فيه المتغيرات، بوتيرة غير مسبوقة.
●●●
فى كل ذكرى للثلاثين من يونيو علينا أن نتذكر جيدًا أين كنا وأين أصبحنا وإلى أين المسير..علينا أن نفهم أن ثورة يونيو كانت صرخة حق، وإعلانًا مدويا بأن مصر لا تُحكم إلا بإرادة أبنائها، وأن هذا الشعب الأبيّ قادر على حماية دولته وصون مستقبلها مهما عظمت التحديات.. لقد كانت ثورة الثلاثين من يونيو، ثورة على الإرهاب والتطرف وهى أيضا؛ ثورة للبناء والتحديث، ثورة للشعب، من أجل تحقيق حلمه، فى إقامة الجمهورية الجديدة.
علينا أن نثق فى كل قرارات قيادتنا السياسية التي تعمل بكل قوة لبناء وطن قادر على مجابهة التحديات المتسارعة؛ وأنه لولا هذه الثورة المباركة التي جمعت هذا الوطن فى بوتقة واحدة ما حدثت كل هذه الإنجازات المتسارعة التي اعترف بها الكارهون قبل المحبين.. فى ذكرى الثلاثين من يونيو المجيدة واجبنا أن نتذكر كيف جسّد فيها شعب مصر العظيم أسمى معاني الإرادة الوطنية حين انتفض دفاعًا عن هوية مصر الأصيلة، واستردها من أيدى المتطرفين والإرهابيين، الذين سعوا إلى جرّ الوطن نحو براثن الفوضى والاقتتال، وتنفيذ أجندات إقصائية هدامة، لا تجلب سوى الدمار والخراب.
عاشت مصر بسواعد أبنائها المخلصين.



