قلب وقلم

30 يونيو دولة بناء الإنسان المعاصر

رئيس تحرير اللواء الإسلامى
رئيس تحرير اللواء الإسلامى

لا يُمكن أن نفهم ذكرى 30 يونيو باعتبارها حدثًا احتفاليًّا وطنيًّا فقط، يمرّ علينا بالأغاني والهتافات، دون أن ندرك الرسائل الملهمة التي أنقذت الوطن من براثن اللئام ووضعته على الطريق القويم ليأخذ مكانته المستحقة بين دول العالم الكبرى؛ فقد أثبتت ثورة 30 يونيو أن الشخصية المصرية قادرة على التغيير والتجديد، وأنها تستفيد من أخطائها، مهما كانت كبيرة وفادحة، وأن المصري يملك الوعي الكافي للتمييز بين الجيد والرديء؛ كما أثبتت أن بمصر رجالًا جاهزين للتضحية بأرواحهم لتبقى هذه البلاد حية وقادرة على مناجزة أعدائها؛ وقد كان التاريخ شاهدًا على البطولات التي قدمها أبناء القوات المسلحة الباسلة لإنقاذ هذا الوطن من غيابات الجبّ الإخواني المجرم؛ ولن ينسى الشعب المصري تضحيات البطل الوطني المشير محمد حسين طنطاوي، الذي أنقذت حكمته المستقبل السياسي والاجتماعي للوطن، ولا الفريق عبد الفتاح السيسي، البطل الوطني الذي اختاره الشعب على عينه ليكون قائدًا وزعيمًا ومُخلّصًا من هذه الفتنة التي أركستنا فيها جماعة كاذبة تقتات من تخريب الوطن.

في الذكرى الثالثة عشرة لهذه الثورة الشريفة علينا أن نتعلم من دروس الماضي ونستعد بكل قوة لتحديات الحاضر والمستقبل؛ وهو ما تقوم به القيادة المصرية على كل المستويات.. علينا أن نفخر أننا صامدون في مواجهة أعتى الأفكار الإجرامية التي خربت دولًا كاملة وسلمتها إلى أعدائها لقمة سائغة.. علينا أن نعي أن أعداءنا لن يكفوا عن محاولة التسلل إلينا عبر المخربين وضعاف العقول الذين يتخذون الدين ستارًا لمآربهم الآثمة.. ولكن مصر ستظل "محروسة" بحفظ الله، وبدعاء رسول الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

 اقرأ أيضا:أضحى العطاء والارتقاء

مساحات شاسعة تحولت من مجرد صحراء جرداء لا حياة بها، إلى مدينة عسكرية متكاملة و"كيان" محترم، تدبّ الحياة في كل جوانبه، ويجري العمل به بانضباط والتزام طوال اليوم دونما كلل أو تهاون؛ آلاف العمال والمهندسين يتخذون أماكنهم في مواقع محددة يؤدون أعمالهم بخفة وهمّة ودقة وتفانٍ رغم لهيب الشمس الحارقة، ومئات الآلات التي تتحرك في كل مكان بسرعة كبيرة لإنجاز مهمتها بسرعة وإتقان.. ملحمة بنائية حقيقية تتشكل في ربوع العاصمة الجديدة، تقول إننا بالفعل من نسل أولئك البنائين العظام الذين أسسوا الأهرامات والمعابد التي لا تزال تُبهر العالم.. بين كل زيارة وأخرى إلى العاصمة الجديدة نُدرك أن هذا الوطن قد بدأ بالفعل اتخاذ خطوات فاعلة وحقيقية للاستفادة المثلى من موارده الطبيعية وأرضه الطيبة لتوسيع نطاق الحياة بعيدًا عن الشريط الضيق حول نهرنا الخالد.

السبت الماضي سعدتُ بالمشاركة في تخريج الدفعة الثالثة من أئمة وزارة الأوقاف الدارسين بالأكاديمية العسكرية المصرية، وهي الدفعة التي بدأت الدراسة في 3 يناير وانتهت في 20 يونيو 2026، وجاءت نسبة النجاح 97% لعدد 259 دارسًا من إجمالي 266، حصل منهم 215 على درجة الامتياز، و44 على درجة جيد جدا، بتقدير عام امتياز؛ وهذه الأرقام كاشفة عن حجم الجهد المبذول لتدريب وتأهيل الأئمة الجدد فكريًّا وجسديًّا، وأن بناء الإنسان المعاصر يأتي جنبًا إلى جنب بناء المدن والكيانات الحضارية الجديدة التي تزهر في كل المحافظات.

وقد جاء حضور الرئيس السيسي وعدد كبير من الوزراء إلى مقر الأكاديمية العسكرية للمشاركة في تخريج أبنائه الأئمة الدارسين تشريفًا لهم وجبرًا لخواطرهم، وتأكيدًا لاهتمام القيادة السياسية ببناء أجيال جديدة تملك زادًا معرفيًّا قادرًا على مواجهة الأفكار الظلامية والتدميرية التي أسهمت في انتكاستنا المعرفية سنواتٍ طويلة؛ وقد وجه الرئيس بزيادة القدرات المعرفية والتدريبية للمتميزين، واستعداد الدولة لإيفادهم للدراسات العليا في كبرى الجامعات العالمية، كما دعا العشرة الأوائل إلى المسرح لتكريمهم وتسليط الأضواء عليهم، في مشهد عفوي وأبوي أسعد الطلاب وأطلق ألسنتهم بشكر الرئيس والإعراب عن مدى سعادتهم بتشريفه رغم مشاغله العديدة داخليًّا وخارجيًّا.      

لا تتوانى وزارة الأوقاف عن اتباع أفضل السبل للارتقاء بالأئمة الجدد علميًّا وبدنيًّا، ليُصبح الإمام المستقبلي متوافقًا مع العصر الحديث في قدراته الذهنية والعلمية، ومتفاعلًا مع الأدوات التكنولوجية الحديثة، مطلعًا على الأحداث المحيطة به، وما فوائدها أو أضرارها الاستراتيجية على أمن وطنه، إضافة إلى أبرز مكائد حروب الجيل الخامس، وغيرها من الأفكار التي لم تكن متاحة من قبل؛ مما يجعل من أئمة وزارة الأوقاف دعاة تنويريين وقادة فكر ورأي على مستوى عالٍ من الوعي بتاريخ الوطن ومكانته الحضارية بين الأمم، وما المرجو له في المستقبل القريب.

اللافت أن الدورة الثالثة لتخريج الأئمة قد حملت اسم أحد أبرز مشايخ الأزهر المجددين، وهو الشيخ حسن العطار، الذي أدرك في وقتٍ مبكرٍ أن الاطلاع على أحدث المخترعات الغربية أمر ضروري للتجديد الفكري والعلمي بالجامع الأزهر، بخلاف بعض الشيوخ الذين رأوا أن علومنا التقليدية بها الكفاية؛ وهنا كان التحدي الحقيقي، وهو أن أنصار التجديد دائمًا ما يتغلبون على المرتكنين إلى القديم وحده؛ ولهذا فقد أخرجت لنا عقلية هذا الإمام المجدد أنجب تلاميذه وهو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، الذي ذهب إلى فرنسا لدراسة العلوم الحديثة، ورجع منها وهو يحمل عقلًا ناقدًا ومفسرًا لكل العلوم العربية، مما أسهم في تشكيل الوجدان المعرفي لجيل الرواد المؤسسين للنهضة المصرية.

يُكرر التاريخ نفسه ويسير في دوائر مغلقة، وعلينا أن نُحدد الأساليب الدقيقة لإعادة إنتاج نهضتنا الحديثة كل حين، بما يضمن تجددنا المستمر ومواكبتنا للأمم المتقدمة؛ والتركيز على إبراز الدور الأصيل للرواد الأوائل هو الطريق الأول لاستكشاف أسرار قوتنا، وتكرار ريادتنا، وهذا ما يقوم عليه التعاون المثمر بين الأكاديمية العسكرية المصرية ووزارة الأوقاف؛ وهو التوجه الذي أثمر هذه الزهور اليانعة من الأئمة الشباب الجدد.

 

ترشيحاتنا