على مدى عقود، تحوَّل الحديث النبوي الشريف الوارد فى فضل الجيش المصري إلى ساحة اشتباك أيديولوجي بين تيارات متطرفة، حاولت أن تُسقطه لا بمنهج علمي راسخ، وإنما بدوافع سياسية وهوى فكري.
وفى هذا المقال نقترب من القضية بمنهج أهل الحديث ونقاده، لنكشف أن هذا الحديث لم يقف ثبوته على طريق واحد، بل قامت له سبعة مسالك علمية متضافرة، يعضد بعضها بعضًا؛ كما نرصد كيف تعاملت بعض التيارات مع تراث الأمة الحديثي بمنطق الانتقاء والتشهي، لا بمنطق الصناعة العلمية التي حفظت كلام النبوة عبر القرون.
اقرأ أيضًا: لماذا يكره المتطرفون خير أجناد الأرض ؟
وسنوضح فى هذا المقال سبعة مسالك لثبوت الحديث من سبعة مداخل مختلفة، وسنبيُّن كيف تشكك فيه هؤلاء الطاعنون فى كل مسلك، والأعمق من هذا أن نبيِّن كيف أن هذا العقل الأزهري تشرَّب وتدرَّب على فهم مسالك أئمة الحديث ونقاده فى معرفة ما يثبت من كلام النبوة وما يُنزّه عنه الجناب النبوي، وكيف يستقرأ التراكم العلمي التاريخي وفق منهجية تنتقي فى المسائل الخلافية المضطربة قولًا راجحًا، وفق منهج لا وفق الهوى ولا التشفي.
المسلك الأول: إسناد هذا الحديث بحسب معايير ومقاييس أهل الحديث إسناد حسن، إن لم يكن صحيحًا، والصحيح والحسن كلاهما رتبة متقاربة من مراتب الثبوت.
المسلك الثاني: احتج به الفقهاء واستنبطوا منه، وهذه لها معيار فى ثبوت الحديث، أنهم انطلقوا من قضية الثبوت وصار عندهم ثابتًا فبدأوا يفكرون فى الاستنباط من مضمونه.
المسلك الثالث: هذه الكلمة الشريفة من كلام النبوة تلقاها المحدِّثون بالقبول، وهذا ما يصححها وإن كان فى السند ضعف، فكيف بهذا الذي لم يُصرَّح فيه بضعف أبدًا.
المسلك الرابع: لم يسبق أن محدِّثًا أو حافظًا قط صرَّح ببطلانه ولا بكذبه.
المسلك الخامس: الحديث له شواهد فى أحاديث أخرى من كلام النبوة.
المسلك السادس: ساقه المحدِّثون والحفاظ فى سياق الاحتجاج والثبوت، وهذا قدر زائد على التلقي المذكر فى رقم ثلاثة.
المسلك السابع: الواقع يشهد به ويصدقه.
إذن هذه سبعة مسالك، كل مسلك منها يفى بثبوت الحديث، وكان الحافظ السيوطي فى مسألة مشابهة جاء فى مسألة بعدة مسائل، سمَّى الكتاب «مسالك الحنفا»، ثم يقول فى ختام الأمر: هذه مسالك لو تفرد بعضها لكفى، فكيف بها إذا تتألف؟، وبحسب من لا يرتضيها صمته أدبًا
ولكن أين من هو منصف؟، فالنتيجة التي سنصل إليها أن إسناد هذا الحديث حسن إن لم يكن صحيحًا، وليس من قسم الضعيف، فضلًا عن أن يكون من قسم الباطل والمكذوب والواهي والموضوع والمنكر والمتروك وما أشبه.
وقف المتهجمون على حمى هذا الحديث الشريف عند المسلك الأول: وهو سند الحديث الذي سمعه سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه من الجناب النبوي الشريف، وسمعه من سيدنا عمر بن الخطاب سيدنا عمرو بن العاص الصحابي الجليل، فهو حديث يرويه صحابي عن صحابي، وله أمثلة كثيرة فى كتب الحديث.
وقد ألقاه سيدنا عمرو بن العاص فى مصر بعد أن فتحها فى خطبة مطولة يحض فيها أهل مصر ويبيّن بعض الأحكام، وفى منتصف الخطبة يقول: وحدَّثني عمر بن الخطاب أن رسول الله قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض«، ثم يقول سيدنا عمرو بن العاص: فسأل أبو بكر الصديق: لماذا؟ فقال: لأنهم هم وأهلوهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة.
ألقى سيدنا عمرو بن العاص هذا الحديث ضمن هذه الخطبة المطولة فى أرض مصر، وسمعها منه بحير بن ذاخر بن عامر، ثم رواها بحير، فتلقَّاها عنه الأسود بن مالك الحميري، ثم رواها عن الأسود بن مالك الإمام القاضي الفقيه الأعجوبة عبد الله بن لهيعة عالم مصر وإمامها وقاضيها وفقيهها ومحدّثها.
وطعن هذه التيارات يأتي فى الرواة الثلاثة (بحير، الأسود، ابن لهيعة)؛ لأن ابن لهيعة سمع منه الحافظ الثقة إسحاق بن الفرات، والحافظ المتقن الثبت أبو طالب أحمد بن نصر، ثم تداول الحديث الرواة بعد ذلك.
فمن طريق إسحاق بن الفرات يرويه أبو القاسم بن عبد الحكم فى كتاب «فتوح مصر»، ويرويه الإمام الدارقطني فى كتاب «المؤتلف والمختلف»، ويرويه الحافظ النميري فى كتاب «الإعلام بفضل الصلاة على النبي ﷺ»، ويرويه ابن عساكر فى «تاريخ دمشق»، والطحاوي فى «شرح مشكل الآثار»، ومن طريق يحيى بن بكير عن عبد الله بن لهيعة يرويه ابن زولاق فى كتاب «فضائل مصر»، والحافظ أحمد بن يونس بن عبد الأعلى.
ومن طريق أن أبا طالب أحمد بن عمرو يرويه عن ابن عساكر فى «تاريخ دمشق»، فتصب سلاسل من الأساليب فى طبقات موثقة، ليس فيها إشكال حتى تلتقي تلك الأسانيد عند عبد الله بن لهيعة.
اقرأ أيضًا: لماذا يكره المتطرفون خير أجناد الأرض ؟
وهنا يبدأ الإشكال، عندما يأتي المشتغل بالحديث ليتصفّح سيرة عبد الله بن لهيعة، فيجد فيه تضاربًا عظيمًا، مِن مُدَّعٍ أن كتبه قد احترقت؛ لأن ضبط المحدث إما ضبط صدر فيحفظ حفظًا متينًا ولا يحتاج للكتاب، وإما ضبط كتاب، يعني سمع من نسخة وبقي محافظًا عليها يحدث منها كما سمع.
فيقولون: عبد الله بن لهيعة احترقت كتبه، فاختلط، أدخل الحديث القديم فى الجديد، فى الأسانيد فى الرواة، فبقت فيه مشكلة تُثار حول اختلاط ابن لهيعة تحت دعوى احتراق كتبه، وهي مكذوبة كما سنذكر، مما يترتب عليه أن حديثه لم يعد يتميّز من بعضه البعض.
فلجأ البعض إلى رواية قدماء أصحابه الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، ثم شطح بعض المشتغلين بالحديث ليزعم أن ابن لهيعة فى ذاته ضعيف ومنكر الحديث، روى عنه القدماء أو لم يرووا، احترقت كتبه أو لم تحترق، هذا ملخص الطعن فى الإمام عبد الله بن لهيعة.
وأحب أن أوضح أمرًا وهو أن الأمة المحمدية قامت بمجهود خارق، وأصّلت علومًا دقيقة متقنة للنقد، غيرةً منها على كلام النبوة، فليس مقبولًا بحال أن يُظن أن الأمة المحمدية، التي بها ختم موكب الرسالات، والتي ظلت على مدى أربعة قرون فضلًا عن ألف وأربعمائة سنة، لم يتميز عندها كلام النبوة، ولم تستطع حمايته من الدخيل!.
وهذه العلوم والمعايير والمقاييس النقدية فى منتهى الغرابة والعجب والصرامة والدقة، وفى منتهى المعيارية، حتى يبلغ الأمر بالإمام الكبير علي بن المديني، شيخ أهل الحديث، وشيخ علل الحديث يقول: أبي فى الحديث ضعيف، حتى يبلغ الأمر بأبي داود صاحب «السنن» يقول: ابني أبو بكر فى الحديث كذاب.
فهذا معيار صارم ينطبق على الكبير والصغير، ولا كرامة فيه ولارعاية فيه ولا حرمة فيه لأحد، إذا أدى أداؤه العلمي إلى خلط وعبث بكلام النبوة، مع احترام شخصه، لكن يبقى أداؤه العلمي يعصف به عصفًا ويُنص على نقده نقدًا دقيقًا ومتينًا، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.



