بقلم/ د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر
ومن حيث ما انتهى بنا الحديث فى المقال السابق نواصل حديثنا عن هجرة النبى صلى الله عليه وسلم، لما وقف الكفار على فم الغار وسَمِعَهُم سيدنا أبو بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته المشهورة : ( لو نظر أحدُهم تحت قدميه لرآنا ) ، ولم أفهم حقيقة هذه الكلمة إلا بعدما مَنَّ الله تعالى عليَّ وصعدت هذا الجبل، جبل غار ثور، وكنت يومها فى الأربعين من عمري مع رفاق فى مثل هذه السن، وقد آدَنَا صعودُ هذا الجبل الشاهق وكَدَّنا وأتعبنا كثيرا حتى كدنا نرجع من منتصفه دون أن نكمل الصعود لكثرة المشقة ، فلما صعدنا وجدت أن هذا الغار على قمة الجبل ، عبارة عن صخرة مجوفة على صورة قوقعة ، تتسع لثلاثة أفراد تقريبا ، ووسط الغار حَجَرٌ قائم فى وسط الغار، يَسْنِدُ القاعدُ إليه ظهره ، وأرضُ الغار مرتفعة عن فمه ارتفاعا ملحوظا ، بحيث يرتقي الداخل درجةَ سُلَّمٍ كبيرة حتى يصل إلى أرض الغار ليقعد، والواقفُ خارج الغار لا يمكنه أن يرى من بداخله إلا إذا طأطأ كثيرا ووضع نظره عند قدميه ليرى من بداخل الغار؛ وحينئذ فهمت قول سيدنا أبي بكر رضي الله : ( لو نظر أحدُهم تحت قدميه لرآنا ).
اقرأ أيضًا: في ذكرى الهجرة - نصر الله قريب
وفى ذكرى الهجرة نذكر من مناقب سيدنا أبي بكر رضي الله عنه الذي شهدت له الآية الكريمة بالصحبة شهادة حق دائمة باقية، نذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «ما لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إلا وقد كَافَيْنَاهُ ، ما خَلَا أَبَا بَكْرٍ ؛ فإنَّ له عِنْدَنَا يَدًا يكافِئُهُ اللهُ بها يومَ الْقِيَامَةِ» ( أخرجه الترمذى فى سننه فى أبواب المناقب ، مناقب أبى بكر الصديق رضى الله عنه، حديث رقم 3661 )، وأقتبس هنا كلمة كتبتُها قديما، قلت فيها : « جاءت كلمة ( يد ) فى الحديث الشريف مجاز عن النعمة ؛ وهذه اليد لم تكن ( عليه ) صلى الله عليه وسلم، كما تقول: «لي على فلان يدٌ»، بل كانت (عنده) ، وفى هذا تأديب وتربية للأمة فى تحري الكلمة المناسبة بمقامه الشريف صلى الله عليه وسلم ، فالظرف « عند « يدل على أن هذه اليد، حتى يد أبى بكر رضي الله عنه، كانت لدى الرسول صلى الله عليه وسلم كالطائر الخفيض الجناح تواضعا له واستكانة بين يديه صلى الله عليه وسلم.
ثم إنها كانت ( عنده ) أى كأنها أمانة ووديعة، « ولابد يوما أن تُرَدَّ الودائعُ «؛ أما كلمة «عليه» فلا تناسب مقامه الشريف صلى الله عليه وسلم لما فيها من دلالة على العلو والارتفاع، ولايعلو عليه صلى الله عليه وسلم شىء من عطاء الناس ؛ لأن عطاءه صلى الله عليه وسلم لهم أعلى وأجل ، ويلاحظ أن كلمة ( يد ) جاءت نكرة لإفادة العموم فى الموضع الأول، أى أنه (صلى الله عليه وسلم) كافأ كل يد ولم يترك لأحد عنده أدنى معروف أو مروءة إلا ردها بما هو كفؤ لها من المعروف والمروءة والإحسان، وتنكير « يد « فى شأن ما قدمه له سيدُنا الأجل أبو بكر الصديق رضى الله عنه يفيد التعظيم أي إن أبا بكر له عند الرسول (صلى الله عليه وسلم) يد عظيمة ترك الرسول صلى الله عليه وسلم مكافأته عليها إلى الله الكريم جل وعلا يوم القيامة.
وفى إسناد المكافأة إلى الله جل وعلا تكريمٌ وتشريفٌ لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وتنبيهٌ على عظم الجزاء لأنه من الله جل جلاله، وما كان منه جل وعلا لايُقَادَرُ قَدْرُه ولا يحيط به الوصف ، فرق بين يد كانت عند الرسول (صلى الله عليه وسلم) لغير أبي بكر ويد كانت عنده صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، فما كان لغيره كافأه الرسول صلى الله عليه وسلم فى الدنيا، وعطاؤها فانٍ وهي إلى زوال ، وماكان لأبي بكر رضى الله عنه يكافئه الله تعالى به فى الآخرة ، وعطاء الله أعظم، وما كان عنده فى دار النعيم خالد لا ينفد ولا يزول ؛ ولو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لكافأ أبا بكر رضي الله عنه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يمت وعليه دين من ديون المعروف والمروءة ، ولكنه ادخر مكافأته لأبي بكر رضي الله عنه إلى يوم القيامة ليكافئه الله تعالى بها لمزيد محبته صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه.
وما أكرمَ هذه المحبةَ وأجلَّها وأحلاها !! أو تراه (صلى الله عليه وسلم) لم يكافىء أبا بكر على كل يد كانت له عنده ؟ والذي نفسي بيده لو كانت أنفاس الصديق فى عمره المبارك كله أياديا لما كافأت يَدَهُ (صلى الله عليه وسلم) على أبي بكر حين أخرجه الله تعالى بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان !! ولكنه (صلى الله عليه وسلم) أثبت لأبي بكر عنده يدا تواضعا منه (صلى الله عليه وسلم) وفَرْطَ محبةٍ لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ولا يخفى عنك ما فى أسلوب القصر فى قوله « ما لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إلا وقد كَافَيْنَاهُ « من دلالة على علو هذه النفس الزكية النقية التي تأبى أن تغادر صفحة الوجود فى هذه الفانية وعليها دين من ديون المعروف والمروءة لم تكافئه ، إنها نفسُه الزكية صلى الله عليه وسلم ، وبنفسي وأبي وأمي أَفْدِيها.



