في ذكرى الهجرة - نصر الله قريب

د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر
د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر

بقلم/ د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر

تَمُرُّ علينا ذكرى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بنور المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهي حَدَثٌ عظيم غَيَّرَ مَجْرَى التاريخ، وكان نقطة فارقة في تاريخ الإسلام ، انتقل فيه المسلمون من الضعف إلى القوة ، وكان انطلاقا لتأسيس دولة الإسلام وبناء هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أُخْرِجَتْ للناس .

وقد خَلَّدَ القرآن الكريم هذه الهجرة المباركة تخليدا ، وجعلها حَيَّةً في نفوس الأمة وفي ضمائر أجيالها جيلا فجيلا ؛ حتى لا يحتفل بها العالم الإسلامي مرة واحدة في العام عندر رأس كل عام هجري جديد وتُنْسَى كما تُنْسَى الذكريات ، بل يحتفي بها ويذكرها كلُّ مسلم يقرأ كتاب الله جل جلاله ويقرأ قول الله عز وجل : " إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " ( التوبة 40) . 

اقرأ أيضًا: المجتمع المدنى وصناعة السلام

وفي مطلع هذه الآية الكريمة بُشْرَى لكل مظلوم وصاحبِ حق تَخَلَّى عنه الناس وخذلوه واجتمع عليه من في أقطارها ، بأن الذي ينصره هو الله جل جلاله ، الذي بيده مقاليد كل شيء ، والذي يقول للشيء كن فيكون ، والذي لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء، هو سبحانه ينصرك يا من تخلى عنك الناس وخذلوك وتركوك وحيدا طريدا شريدا تقاوم الطغاة والجبارين، كما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة عندما أخرجه قومُه وأجمعوا على قتله وتفريق دمه بين القبائل؛ فخرج من بين أظهرهم وعيونُهم مفتوحةٌ وسيوفُهم مُشْرَعَةٌ ، يترقبون لحظة خروجه وقتله ؛ فجعل الله من بين أيديهم سَدًّا ومن خلفهم سَدًّا، وأغشاهم فهم لا يبصرون، قال جل وعلا : " إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون)َ "(يس 8 ، 9). 

وكما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم حين وقف الكفار بسيوفهم على فم الغار الذي أوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه فلم يروه ؛ فكان نصره صلى الله عليه وسلم من عند الله، وبَقِيَ هذا درسا جليلا للأمة يقول لكل مظلوم تخلى عنه الناس : إن ناصرك هو الله جل جلاله، درسٌ جليلٌ تَذْكُرُهُ الأمةُ كلما قرأت هذه الآية الجليلة، وكلما مرت عليها ذكرى العام الهجري الجديد؛ فتطرد عنها اليأس والقُنُوطَ من رَوْحِ الله، وتعيد إليها الأمل في نصر الله مهما أطبقت الظلمات ومهما زُلْزِلَ المؤمنون؛ فإن نصر الله قريب، قال جل وعلا : " (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب)ٌ " (البقرة 214).

وما أحوجَنا اليوم إلى استحضار هذا الدرس الجليل في هذا الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة ، واقع الضعف والتفرق الذي أغرى بنا كل طامع وكل مغامر وكل عدو ، واقع المسلمين في غزة، الذين طحنتهم آلة البطش الصهيوني بأحدث أسلحة الدمار والخراب والقتل منذ، على مَرْأَى من العالم المتحضر ومَسْمَع ، وهم شعب أعزل قُتِل منه عشرات الآلاف وأصيب عشرات الآلاف، أكثرهم من النساء والأطفال، وهُدِّمت الدور على ساكنيها، هذا كله أصاب الأمة الإسلامية بالإحباط واليأس، ولكن افتتاح آية الهجرة بقوله جل وعلا: " إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ " يبعث الأمل في النفوس، ويعيد شحذ الهمم وتقوية العزائم ؛ لأن الناصر هو الله جل جلاله، كما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة.

يا ربِّ في هذه الذكرى العطرة نَضْرَعُ إليك ، ونتوسل بك إليك، أن تنصر المسلمين المستضعفين في كل مكان كما نصرت رسولك صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة ، وأن تُنْزِلَ سكينتك عليهم وتُؤَيِّدَهم بجنود لم يروها ، كما أنزلت السكينة على رسولك وأيدته بجنود لم يروها.

ما أحوجَ الأمة الإسلامية في هذا الواقع الأليم إلى الاتحاد ولَمِّ الشَّمْلِ وأن يكون لاتحادها قوةُ رَدْعٍ عسكري تَذُوْدُ عن الأمة وتَحْمِي حماها وتقول لكل مَن تُسَوِّلُ له نفسه الاعتداء على شِبْرٍ من أرضها: " لآتينك بجيش أولُها عندك وآخرُه عندي "؛ فتعود لها المهابة في صدور الأعداء ، وتعود لها العزة والغلبة والكرامة والقوة في عالم لا يحترم إلا القوي ، ولا يفهم إلا لغة القوة والسلاح.

اقرأ أيضًا: من بلاغة آيات الحج والعمرة فى القرآن الكريم 2

ولنعد إلى قوله جل وعلا في سلاح لبة والكرامة والقوة والمهابة له نفسه الاعتداء على ذي يكون آية الهجرة: " إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" فإن هذه الجملة القرآنية أثبت الصُّحْبَةَ لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه إثباتا لا يتغير ولا يتبدل ولا يَحُولُ ولا يزول؛ لأنها صحبةٌ باقية في الكتاب العزيز، تُتْلى إلى أن تقوم الساعة ، ويتلوها أهلُ الجنة في الجنة ويَرْقَونَ بها درجات كما يَتْلُونَ آي الكتاب العزيز ويَرْقُونَ بها درجات .