المجتمع المدنى وصناعة السلام

د. سلامة داود
د. سلامة داود

بقلم/ د. سلامة داود

يظل الأمن والسلم الاجتماعي من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات والدول، لما لهما من أثر مباشر في استقرار الأوطان ونهضتها وتقدمها، ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التنمية الحقيقية في ظل انتشار الظلم أو الكراهية أو غياب العدالة الاجتماعية، ومن هنا يأتي الدور الكبير الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني في دعم الاستقرار وترسيخ قيم التعايش والتكافل والرحمة بين الناس.

ويمثل الأزهر الشريف نموذجًا بارزًا للمؤسسات التي حملت عبر تاريخها رسالة نشر الوسطية والاعتدال، حيث يضم ملايين الطلاب والطالبات داخل مصر وخارجها، إضافة إلى آلاف الطلاب الوافدين من مختلف دول العالم، الذين يفدون إليه طلبًا للعلم الصحيح والفكر المعتدل، وقد ظل الأزهر الشريف على مدار أكثر من ألف عام منارة للعلم، ومركزًا لنشر قيم التسامح والتعايش بين الشعوب.

اقرأ أيضًا: الحوار الحضاري وبناء المستقبل

كما تؤدي المنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف دورًا مهمًا في ربط خريجي الأزهر حول العالم، وتأكيد قيم الانتماء والاعتدال، ونشر الفكر الوسطي الذي يسهم في تحقيق الأمن الفكري والاجتماعي داخل المجتمعات المختلفة.

وقد دعا الإسلام إلى التعارف والتآلف بين البشر على اختلاف شعوبهم وألسنتهم وألوانهم، فقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ويقوم السلام الاجتماعي في جوهره على تحقيق العدل بين الناس، فالعدل أساس استقرار المجتمعات، وهو قيمة دعت إليها الأديان السماوية والفطرة الإنسانية السليمة، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾، وقال أيضًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾.

كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الظلم بقوله: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، وهو ما يؤكد أن المجتمعات التي يسودها العدل تنعم بالأمن والاستقرار، بينما يؤدي الظلم إلى انتشار الفوضى والكراهية والصراعات.

ومن هنا يبرز دور مؤسسات المجتمع المدني في نشر ثقافة السلام والتسامح، والعمل على رعاية الفئات الأكثر احتياجًا، ومساندة الضعفاء، والمساهمة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تؤدي إلى التفكك المجتمعي أو انتشار العنف والتطرف.

كما أن السلام الاجتماعي لا يقتصر على غياب الصراعات، بل يشمل احترام الإنسان لأخيه الإنسان، والحرص على عدم إيذائه قولًا أو فعلًا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وهو توجيه نبوي يؤكد أهمية الكلمة الطيبة وخطورة الإساءة والتحريض ونشر الكراهية، خاصة في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل تنقل الكلمات والأفكار بسرعة كبيرة وتأثير واسع.

ويتحقق السلم الاجتماعي كذلك من خلال التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع، والاهتمام بالفقراء والمحتاجين، وإعطاء الأولوية للضعفاء في الرعاية والاهتمام، وقد جسد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا المعنى عندما قال: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه».

إن الأمة التي ترعى ضعفاءها، وتوفر لهم التعليم والرعاية الصحية والحياة الكريمة، هي أمة تسير نحو الأمن والاستقرار والازدهار. وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من صراعات وحروب، يصبح تحقيق السلام الاجتماعي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، من مؤسسات دينية وتعليمية وثقافية وإعلامية ومؤسسات مجتمع مدني، من أجل بناء مجتمعات يسودها العدل والرحمة والاحترام المتبادل.

ولا يمكن الحديث عن السلام العالمي مع استمرار معاناة الشعوب المظلومة التي تتعرض للقتل والتشريد وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي يواجه أوضاعًا إنسانية مأساوية من قتل وتدمير واستهداف للمدنيين ودور العبادة والمستشفيات والمدارس، في مشهد يؤكد أن تحقيق السلام الحقيقي لا يكون إلا بإقامة العدل ورفع الظلم عن الشعوب.

ويبقى الأمن والسلم الاجتماعيان حجر الأساس في بناء الأوطان واستقرارها، ولن يتحققا إلا بتكاتف الجميع، وترسيخ قيم العدل والرحمة والتسامح والتعايش الإنساني بين أبناء المجتمع الواحد.