مع إشراقة أول أسبوع من المحرم، نستلهم من ذكرى الهجرة النبوية المباركة لجدّي المصطفى صلى الله عليه وسلم عبقرية الانتقال من فضاء الدعوة إلى آفاق الدولة، لم تكن هذه الرحلة مجرد تبديلٍ للجغرافيا، بل كانت إعلانًا تاريخيًا عن ميلاد وطن حقيقي، يُدار بوعي مؤسسي وتنظيم قانوني فريد.
لقد تجلت الفلسفة النبوية فى التأسيس عبر صياغة «وثيقة المدينة المنورة»، التي وضعت أول عقد اجتماعي ودستوري فى التاريخ، هذا الدستور النبوي لم يلتفت للفوارق العرقية أو القبلية، بل صهر المكونات المتباينة فى بوتقة الشراكة الوطنية الشاملة، فصارت المواطنة الصالحة التزامًا مدنيًا يضمن الحقوق، ويحدد الواجبات، ويحمي السيادة الداخلية بقوة القانون.
اقرأ أيضًا: مسك الختام - ميثاق التسامح ورحمة للعالمين
هذا الفكر التشريعي المستنير يمثل الجوهر النقي الذي يتبناه ويعلنه دائمًا فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إذ يؤكد فضيلته فى أطروحاته العالمية أن «الدولة الوطنية الحديثة» هي المظلة الشرعية والقانونية القادرة على صون استقرار المجتمعات، وحمايتها من الاختراق الفكري، وضمان استدامة تنميتها وأمنها الاستراتيجي.
إن الأوطان لا تشيدها الأماني، بل تبنيها العقول الواعية والجهود المخلصة، والمسئولية الملقاة على عاتقنا اليوم تحتم علينا تحويل فقه الهجرة إلى استراتيجية عمل حركية؛ تستثمر فى طاقات النشء، وتدعم الابتكار والإنتاج والمعرفة، لنبدأ هذا العام برؤية طموحة، تصنع مستقبلًا زاهرًا وتصون هوية أمتنا الشامخة، لتظل منبعًا للريادة الحضارية بين الأمم.
رسالة المشكاة: «إن ميلاد الأوطان الحقيقي يبدأ من تشييد صروح الوعي فى النفوس، وترجمة الانتماء إلى إتقانٍ وعطاء؛ فاجعلوا من العهد النبوي فى أول المحرم ميثاقًا للنهضة والبناء، وكونوا درعًا لبلادكم بعلمكم؛ لتنالوا رفعة الدارين بحق الهدي الشريف».



