خطوط متشابكة

وقفة مع النفس

سيد حجاج
سيد حجاج

الحمد لله الذي جعل الذنوب مواطنَ انكسار، ومفاتيحَ رجوعٍ لمن عقل وتبصّر، والصلاة والسلام على من دلّ أمته على أبواب التوبة والنجاة،
فإن من أعظم الفقه فى دين الله أن يعلم العبد أن البلاء ليس شرًّا محضًا، بل قد يكون بابًا من أبواب الرحمة، وسُلّمًا يُرقى به إلى معارج القرب من الله. إن الشر الحقيقي إنما هو فى الذنوب وموجباتها، فإذا عوفى العبد من الذنب، عوفى من أثره وعقوبته. 

اقرأ أيضًا: خطوط متشابكة ... البحث عن السعادة

فإذا نزل بالعبد أذى، أو تسلّط عليه خصم، أو أصابه همٌّ وغمّ، فليفتّش أولًا فى داخله، لا فى خارجه؛ فإن أعظم دواءٍ أن يرجع إلى نفسه توبةً واستغفارًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30)، وقال جل شأنه أيضًا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3). 

فلنتأمل كيف جعل الله المخرج والرزق ثمرةً للتقوى، لا لمجرد السعي الظاهر، فمن أصلح سريرته، أصلح الله علانيته، ومن تاب، تولّى الله نصره ودفع عنه. 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احفظِ الله يحفظْك، احفظِ الله تجدْه تجاهك»، فالسعيد حقًّا من شُغل بعيبه عن عيوب الناس، وبذنبه عن ذنوب غيره، فجعل البلاء مرآةً يرى فيها تقصيره، لا سيفًا يطعن به خصومه، فإذا فعل ذلك، انقلبت المحنة منحة، وصارت النازلة بركة، وذاق من حلاوة الإيمان ما لم يذقه فى حال الرخاء. 

ولكن هذا المقام عزيز، لا يُنال بمجرد التمنّي، بل هو توفيق من الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ﴾، لذلك من أراد النجاة عند نزول البلاء، فليبدأ بإصلاح ما بينه وبين الله، فإن أصلح ذلك، أصلح الله ما بينه وبين الناس، وكفاه مؤونتهم، وجعل له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا،
فطوبى لعبدٍ إذا نزل به البلاء، ازداد قربًا، وإذا أُوذي، ازداد توبةً، فكانت محنه أبوابَ رحمته، وكانت آلامه أسبابَ سعادته. 

 

ترشيحاتنا