درسٌ عن الهجرةِ النبويَّةِ المشرَّفة

د.رشا كمال
د.رشا كمال

د.رشا كمال

تمرُّ علينَا هذه الأيَّامُ ذكرَى هجرةِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – والتي يحتفلُ بهَا المسلمونَ معَ بدايةِ شهرِ المحرَّمِ، جعلَهُ اللهُ عامًا مباركًا على الأُمَّةِ الإسلاميَّة. وهنا يبرزُ سؤالٌ بدَهيٌّ: لماذا نحتفلُ بذكرَى الهجرةِ في شهرِ المحرَّم، مع أنَّها حدثتْ في شهرِ ربيعٍ الأول؟

فقد جاء في كتبِ التاريخِ الإسلاميِّ أنَّهُ خلالَ ولايةِ سيِّدِنا عمرَ بنِ الخطابِ – رضي الله عنه وأرضاه – وقعَ بيدِهِ مكتوبٌ ذُكِرَ فيهِ الشَّهرُ فقطْ، فتبادرَ إلى ذهنِهِ – رضي الله عنه –: كيفَ يُؤرَّخُ هذا وهو لا يُذكرُ فيهِ العامُ؟

فجمعَ المسلمينَ ودعاهُم لوضعِ تقويمٍ إسلاميٍّ خاصٍّ، فاقترحُوا أنْ تكونَ بدايتُهُ منْ بعثةِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم –، أو أن تكونَ من وفاتِهِ – صلى الله عليه وسلم –، فهدَى اللهُ – جلَّ وعلا – سيِّدَنا عليَّ بنَ أبي طالبٍ إلى اختيارِ الحدثِ الأعظمِ في تاريخِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ وهو حدثُ الهجرةِ المشرَّفة؛ فهو الحدثُ الذي فرَّقَ اللهُ تعالى بهِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وكانَ بدايةَ وضعِ حجرِ الأساسِ للأُمَّةِ، فارتضَى سيِّدُنا عمرُ بذلك.

اقرأ ايضا:الهجرة النبوية.. ميلاد أمة وبناء دولة.

ثمَّ اختلفُوا حولَ الشَّهرِ الذي سيبدأُ بهِ العامُ، فجمعَ اللهُ كلمتَهُم على أنْ تكونَ بدايتُهُ من الشَّهرِ الذي بدأَ فيهِ التخطيطُ للهجرةِ وهو شهرُ اللهِ المحرَّم، حيثُ تمَّت فيه البيعةُ الأولَى في موسمِ الحجِّ في شهرِ ذي الحجَّة؛ فهو أولُ شهرٍ بعد شهورِ الحجِّ، كمَا أنَّهُ شهرٌ حرامٌ، وفيه يعودُ الحجَّاجُ إلى حياتِهِم كيومِ ولدتْهُم أمَّهاتُهُم بدايةً جديدةً خاليةً من الذنوبِ والآثامِ؛ فاستبشارًا واستئناسًا بهذا الفألِ الطيِّبِ، وكأنَّ العامَ الهجريَّ بمثابةِ حياةٍ وصفحةٍ وفرصةٍ جديدةٍ لكلِّ مسلم.

وبهذا اجتمعَ المسلمونَ على تقويمٍ إسلاميٍّ خاصٍّ يؤرِّخونَ بهِ أحداثَهُم، ويذكِّرُنَا بالحدثِ الأعظمِ في تاريخِ الأُمَّةِ وهو حدثُ الهجرةِ، بهِ أُسِّسَتْ دولةُ الإسلامِ وأصبحَ لها صوتٌ يُسمعُ، وسيفٌ يدافعُ عنها، ودعوةٌ ربانيَّةٌ تصلُ للدنيا كلِّهَا.

وفي الهجرةِ دروسٌ عظيمةٌ، منها فنُّ اختيارِ الأولويَّاتِ في حياتِنا، ففي المرحلةِ المكيَّةِ واجهَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الاضطهادَ والتعذيبَ والحقدَ من الكفارِ بصبرِهِ وحلمِهِ وحُسنِ خُلقِهِ ودعوتِهِ – صلى الله عليه وسلم – إلى مكارمِ الأخلاقِ، وضربَ أعظمَ الأمثلةِ لذلك طوالَ ثلاثةَ عشرَ عامًا، ليكونَ القدوةَ لكلِّ مسلمٍ، يوجِّهُهُ كيفَ يعيشُ في عالمٍ مختلفٍ من حولِهِ فيتعايشُ معه، فتكونُ الأولويَّةُ للتعايشِ الإيجابيِّ والسِّلميِّ، ويكونُ الحبُّ في مواجهةِ الكراهيةِ والحقدِ
وكلُّ هذا الصَّبرِ والتحمُّلِ منه – صلى الله عليه وسلم – لا يعني الخضوعَ أو الاستكانةَ، بلْ يعني وجوبَ الأخذِ بالأسبابِ والبحثِ عن مواطنِ القوَّةِ واستعمالِ كلِّ سبيلٍ لها، مع التخطيطِ الجيِّدِ، مدعومًا بحُسنِ التوكُّلِ على اللهِ وحُسنِ الظنِّ بهِ، وهو تمامًا ما فعلَهُ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – في الهجرة.

فمهَّدَ الرَّسولُ – صلى الله عليه وسلم – للصحابةِ فكرةَ تركِ مكةَ الوطنِ والأهلِ والمالِ والهجرةِ في سبيلِ اللهِ لبلدٍ آخرَ بعيدٍ نصرةً للدِّينِ وفي سبيلِ اللهِ، فكانتِ الهجرتانِ الأُولَيانِ إلى الحبشةِ، حتى تأتيَ الهجرةُ الكبرَى.

ثمَّ التمهيدُ الثاني بالبيعتينِ مع أهلِ أرضٍ قريبةٍ مستقرَّةٍ هداهَا اللهُ للإيمانِ وتملَّكَ قلوبَ أصحابِهَا، فأرسلَ معهُم منْ يعلِّمُهُم الدِّينَ، وما أن استقرَّ الأمرُ وانتشرَ الدِّينُ في الأرضِ الجديدةِ التي تشبَّعتْ وأهلُهَا بنورِ الإيمانِ حتى أثمرَ في نفوسِهِم كمَا وصفَهُم اللهُ تعالى بقولِه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. حينَها فقطْ أذنَ المصطفَى – صلى الله عليه وسلم – لأصحابِهِ بالهجرةِ إلى الأرضِ الطيِّبةِ مدركًا حجمَ المسؤوليَّةِ وقتَهَا وكيفيَّةَ إدارتِهَا، وظلَّ القائدُ العظيمُ في مكةَ حتى يطمئنَّ على جميعِ المسلمينَ، ولمْ يؤثرْ نفسَهُ، بلْ كانَ الدِّرعَ الحاميَ لهم من خلفِهِم بوجودِهِ وسطَ أهلِ مكةَ، ثمَّ بدأَ التخطيطُ لخروجِهِ هو نفسِهِ وصاحبِهِ وأدارَ المعركةَ بمنتهَى الذكاءِ والفطنةِ النبويَّة.

وعلى كلِّ مسلمٍ أنْ يعيَ هذا الدرسَ العظيمَ فيدركُ ويتعلَّمُ فنَّ اختيارِ الأولويَّاتِ، فكلُّكُم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ؛ فالزوجةُ في بيتِ زوجِهَا عليها اختيارُ أولويَّاتِهَا، فلا تُهدرُ طاقتَهَا في معاركَ جانبيَّةٍ أو أولويَّاتٍ ثانويَّةٍ خارجَ بيتِهَا قدْ تودي بالهدفِ العظيمِ لها، والزوجُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِهِ فعليه اختيارُ الأولويَّاتِ في إطارِ الحفاظِ على هدفِه الأكبرِ وهو رضا اللهِ تعالى فيما استرعاه، وكلُّ مسلمٍ في كلِّ مكانٍ - مهما كانت مَهمَّتُهُ - عليه اختيارُ أولويَّاتِهِ. وكلٌّ منَّا عليه تحديدُ هدفِهِ واختيارُ معاركِهِ كيْ لا يبدِّدَ طاقتَهُ ويهدرَ وقتَهُ، وليكنْ قدوتُهُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – حتى يحقِّقَ أهدافَهُ ويصلَ لمبتغاه.

 

ترشيحاتنا