لا يُمكن أن نهرب من مساءلة التاريخ أو نستتر بأفعالنا عن توثيقه الصارم وحسابه الدقيق؛ ولهذا فإن التعاطي مع السرديات الوطنية وتوثيقها وحفرها في الذاكرة الجمعية للمواطنين يضمن بقاء الأثر ناصعًا في صفحات الخلود، والمصري بطبعه تواق إلى التسجيل الدقيق لكل الأحداث البطولية، ليُباهي بها في العالم الآخر، من ناحية، ولتكون زادًا له لمعالجة معطيات المستقبل وتحدياته، من ناحية أخرى.
في أجواء مفعمة بالوطنية والانتصارات الكروية تأتي الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو لتؤكد أننا لا نزال نتذكر كل ما مضى، نتذكر لحظات البؤس وانعدام الأمن وضياع المستقبل؛ نتذكر المؤامرات البغيضة على مُقدرات هذا الوطن المكلوم ببعض أبنائه؛ نتذكر أين كنا وكيف أصبحنا وإلى أين المسير؛ نتذكر كيف تحوّلت مصر إلى بؤرة إجرامية تُدار من الخارج، وكل هذا تحت ستار التدين الكاذب، والتخفي خلف لحى مموهة بالبغضاء لكل أدوات النهضة الوطنية.. وسط هذه الظلمات انبثق ضوء القائد والزعيم الذي أعاد هذه الأفاعي إلى جحورها لخبرته الميدانية بأحابيلهم، واطلاعه على وثائق وأدلة تُدين مؤامراتهم على مصر والمصريين ورغبتهم الأثيمة في تفتيت الوطن وتشتيت أبنائه، واتفاقهم مع كيانات مُعادية على البيع الصريح لأرض سيناء؛ ولن ينسى التاريخ ما قام به بطل القوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي، الذي اضطر إلى التعامل مع هؤلاء الأوباش، وصبر على إفكهم، وراوغ قادتهم ببراعة المقاتل الخبير، حتى ينجو بسفينة الوطن إلى برّ الأمان؛ وكان ابنه عبد الفتاح السيسي جديرًا بتولي المسئولية، عُقابًا في سماء الوطن، عِقابًا للإجرام والمجرمين.
اقرأ أيضا:30 يونيو دولة بناء الإنسان المعاصر
يُخطئ من يظن أن الجماعة الإرهابية قد ارتكست إلى غير رجعة، أو انغلقت عليها مهاوي غيابات الجبّ، أو أن أذنابها قد تشتتوا في الأرض وانقطع دابر الذين ظلموا؛ فالحقيقة أنهم لا يزالون يرتعون بين أظهرنا يدسون سمومهم في هدوء، يرتكنون إلى "التقية" والاختفاء عن الأنظار العلنية؛ لكن أيديهم في الفضاء الأزرق تُبدي البغضاء لكل ما هو شريف ووطني، وما تُخفي صدورهم أكبر؛ إنك تعرفهم في ثنايا الكلام وفلتات اللسان، وتلك آفة المريب: يكاد أن يقول خذوني!
*
في احتفالية خاصة مساء أول أمس الثلاثاء، كانت المفاجأة مع انطلاق الكتاب التوثيقي: (رجل الأقدار: سيرة قائد.. مسيرة وطن) الذي تصدره الهيئة الوطنية للصحافة؛ وهي الفكرة الأبرز للاحتفال بذكرى الثورة هذا العام؛ وأرجو أن تكون هذه الخطوة بداية لخطة توثيقية عن كل ما أحاط بالوطن، قبل ثورة يونيو، وأثناءها، وبعدها، مع رصد كل التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والقومية، وكيف تحوّلت مصر، بعد تولي الرئيس السيسي قيادة الوطن، إلى لاعب مؤثر في كل التحديات التي تُحيط بالمنطقة؛ بحيث استعادت الدبلوماسية المصرية قوتها وعادت لها أمجادها؛ وإننا لنشعر بالفخر في كل مقابلة للرئيس مع قادة وزعماء دول العالم؛ نشعر بالفخر عند إعلان القوات المسلحة جاهزيتها التامة للدفاع عن أرض الوطن، نشعر بالفخر عند كل شهيد جديد يبذل دماءه الغالية من أجل تراب وطنه الذي دنّسه الإرهابيون؛ نؤمن أن هذه الأرض الطيبة قادرة على نفي خبثها والإبقاء على كل ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
صحيح أن الشركة المتحدة تقوم بجهود جبارة، من خلال قناة الوثائقية، والأعمال الدرامية والسينمائية، لتثبيت البطولات الفريدة التي قدمها أبناؤنا لانتزاع الوطن من أيدي المجرمين؛ لكن التوثيق الكتابي يظل له رونقه الأثير ومهمته الكبرى عند المثقفين من النخبة الذين يصنعون الوعي ويبثون الأمل بالمستقبل في نفوس الشباب؛ ولا شك أن هذا الكتاب سيحظى بمكانته اللائقة بين رفوف المكتبات العالمية؛ وإننا ننادي بترجمته إلى عشر لغات على الأقل ليدرك مثقفو العالم كيف أن مصر المحروسة لا تزال تُنافح الواغش عن ترابها الطاهر، وتدفع عن نفسها موبقات الزمان وجرائم "الإخوان".
وإذا كان الأستاذ عباس محمود العقاد قد اختط لنفسه منهجًا في تشريح أسباب العبقرية والنبوغ عند العديد من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين والقادة البارزين، فإن التأريخ الحاسوبي لا يُمكن أن يُجدي وحده في خدمة التوثيق الحقيقي للسرديات الوطنية، دونما التعمق في فهم الأسباب الدافعة خلف كل حدث وكيف تصرف فيه القائد، وهل كان هناك إجراء أفضل في هذا التوقيت من تلك الإجراءات؟
ومن هنا تبرز أهمية هذا الكتاب باعتباره شهادة حية على رحلة مفصلية من عُمر الوطن، شهادة من مُشاركين في الأحداث، لا مُشاهدين، شهادة من رجال اتسموا بالوطنية وحملوا الأمانة جنبًا إلى جنب القائد المُلهم الذي صنع من المحنة منحة، وحمل رأسه على كفه ليتخذ القرار الوحيد الحاسم بإنقاذ مستقبل أمة كاملة.
*
(رجل الأقدار) يصدر في جزأين يشكلان معًا الفصل الأول من السردية الوطنية التي تتناول سيرة القائد من "الجمالية حتى قصر الاتحادية"، عبر سنوات حياته التي ارتبطت بمحطات وطنية فارقة، وتوثيق هذه المحطات ودور الرئيس فيها لا سيما بعد أحداث 2011 وما تلاها من مخططات غيّرت وجه المنطقة، وكادت تعصف بالدولة الوطنية المصرية، ودور القوات المسلحة وقائدها في كبح الفوضى وتوفير الأمن والأمان والاستقرار.
الكتاب الذي يخرج إلى الجمهور في طبعة شعبية برعاية الهيئة الوطنية للصحافة، يفرد فصوله لحرب الإرهاب التي خاضتها القوات المسلحة الباسلة مدعومة من شرطتها، والتفاف الشعب المصري حول قيادتها المخلصة.
مقدمة الجزء الأول من الكتاب حررها المستشار عدلي منصور، رئيس مصر المقدر، ويعدد المستشار الوصايا التي تمسّك بها الرئيس السيسي وأنجزها في وقتها، وكتب مقدمة الجزء الثاني البابا تواضروس الثاني بابا الكنيسة الوطنية المصرية، ويرسم فيها ملامح الوطن الذي ينعم مواطنوه بالمحبة.
الكتاب في جزئه الثاني يقف على التجسيد الحي لمبادرة (حياة كريمة) والحرب على الفقر والجهل والمرض، وعلاج حزمة الأمراض المزمنة والسارية التي سادت الجمهورية القديمة، وتعالجها الجمهورية الجديدة وفق خطة تنموية مستدامة، كان مفتتحها مشروع قناة السويس الجديدة، مرورًا بالنهضة الزراعية والصناعية.
تحية إلى هذا الإنجاز الكبير من التوثيق والتأريخ لحدث مفصلي في تاريخ مصر الحديث؛ ونرجو أن تتلوه وثائقيات أخرى تكشف عُمق هذا الوطن وصلابة أبنائه.



