د. وليد البلتاجي السيد
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
لم تكن الهجرةُ النبويَّةُ في مضمونِها مجرَّدَ حدثٍ تاريخيٍّ وقعَ للنبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وانتهى بانقضاءِ زمنِه، بل كانتْ محطَّةً فارقةً في تاريخِ الإسلامِ، زاخرةً بالدروسِ والعِبَرِ، ورسَّختْ من خلالها قيمًا ومبادئَ لا تزالُ صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكان.
ومن أبرزِ هذه الدروسِ ما يتعلَّقُ بكيفيَّةِ إدارةِ الأزماتِ في أوقاتِ الشدائدِ والمِحَن.
وتقومُ إدارةُ الأزماتِ في المنهجِ النبويِّ على أُسُسٍ راسخةٍ، في مقدِّمتِها الأخذُ بالأسبابِ، مع صدقِ التوكُّلِ على اللهِ، والثقةِ المطلقةِ به سبحانه.
اقرأ أيضا|الهجرة - مقصد قبل المسير
وقد جسَّدَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ذلك عمليًّا منذُ خروجِه من مكَّةَ، فأمرَ عليًّا -رضيَ اللهُ عنه- أن يبيتَ على فراشِه، واختارَ أبا بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه- رفيقًا للهجرةِ، واستأجرَ دليلًا خبيرًا بالطريقِ، ثم مكثَ في غارِ ثورٍ عدَّةَ ليالٍ حتى تهدأَ المطاردة.
ومع هذا الإعدادِ الدقيقِ، لم يكن اعتمادُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- على الأسبابِ وحدها، بل كان قلبُه عامرًا باليقينِ بأنَّ اللهَ تعالى ناصرُه وحافظُه، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فكانت ثمرةُ الأخذِ بالأسبابِ، مع حسنِ التوكُّلِ، أن أيَّده اللهُ بنصرٍ من عندِه، فقال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).
ومن الدروسِ المهمَّةِ التي تعلَّمناها من الهجرةِ النبويَّةِ أنَّ إدارةَ الأزماتِ تحتاجُ إلى الصبرِ، وعدمِ الاستعجالِ؛ فقد يتأخَّرُ الفرجُ لحكمةٍ يعلمُها اللهُ تعالى، ولا يعني ذلك تخلِّيَ اللهِ عن عبادِه المؤمنين، وإنَّما هو ابتلاءٌ وتمحيصٌ، وقد تجلَّتْ هذه الحقيقةُ في رحلةِ الهجرةِ؛ إذ لم يأتِ النصرُ في أوَّلِ لحظةٍ، وإنَّما تحقَّقَ بعدَ ثباتٍ، وأخذٍ بالأسباب.
وما أحوجَنا اليومَ إلى استلهامِ هذه الدروسِ في واقعِنا المعاصرِ؛ فنجاحُ الأفرادِ والمجتمعاتِ في مواجهةِ التحدياتِ لا يتحقَّقُ بالأماني، وإنَّما بالتخطيطِ السليمِ، والأخذِ بالأسبابِ المشروعةِ، ثم الثقةِ باللهِ -عزَّ وجلَّ-، واليقينِ بأنَّه لا يُضيعُ من أحسنَ العملَ، وتوكَّلَ عليه، وقد أرشدَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- إلى هذا المعنى بقوله: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا». [أخرجه الترمذي في سننه، حديث رقم (2344)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ»].
ومعنى حقِّ التوكُّلِ: أن يوقنَ العبدُ بأنَّ اللهَ تعالى هو المدبِّرُ لكلِّ شيءٍ، وأنَّ الرزقَ والعطاءَ والمنعَ بيدِه سبحانه، ثم يسعى في طلبِ الرزقِ، والعملِ بالأسبابِ المشروعةِ، ويشهدُ لذلك تشبيهُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بالطيرِ؛ فهي لا تبقى مختبئةً في مكانِها، بل تغدو أوَّلَ النهارِ طالبةً رزقَها، ثم تعودُ آخرَه وقد شبعتْ.
وقد أشارَ الإمامُ أحمدُ إلى هذا المعنى، فقال في شرحِ الحديثِ: "ولو توكَّلوا على اللهِ حقَّ توكُّلِه في ذهابِهم، ومجيئِهم، وتصرُّفِهم، وعلموا أنَّ الخيرَ بيدِه ومن عندِه، لم ينصرفوا إلَّا سالمين غانمين، كما تغدو الطيرُ وتروحُ، ولكنَّهم يعتمدون على قوَّتِهم وكسبِهم، وهذا خلافُ التوكُّلِ". [شرح الزرقاني على الموطأ 4/394].
إنَّ الهجرةَ النبويَّةَ تُعلِّمُنا أنَّ التوكُّلَ ليس كلمةً تُقالُ باللسانِ، وإنَّما هو عملٌ قلبيٌّ يترجمُه السعيُ، وبذلُ الجهدِ، والثباتُ عند الشدائدِ، وعدمُ الاستسلامِ للإحباطِ واليأس.
كلُّ هذه المعاني جسَّدتْها الهجرةُ النبويَّةُ، فكانتْ بحقٍّ مدرسةً خالدةً في صناعةِ النجاحِ، ونموذجًا فريدًا تستلهمُ منه الأمَّةُ طريقَها في مواجهةِ تحدياتِ الحاضرِ والمستقبل.



