عَجلة ابن عم حنا

حاتم سلامة
حاتم سلامة

بقلم: حاتم سلامة

لطالما كانت مصر نموذجًا حضاريًا فريدًا في التآخي الإنساني، حيث تذوب الفوارق في بوتقة الوطن الواحد، وتتشابك أيادي أبنائها من مسلمين وأقباط لتنسج ثوبًا من المودة والرحمة.

هذه الوحدة ليست مجرد شعارات براقة، بل هي ممارسة يومية وتاريخ طويل من العيش المشترك الذي تغذّى على قيم التسامح والأخوة الصادقة، حتى أضحت مصر بفضل هذا النسيج صخرة صلبة تتكسر عليها كل محاولات الفرقة والتباعد.

أقرأ أيضًا| تائبون يغسلون بالدموع خطاياهم

أقول هذا الكلام بمناسبة ما قرأته مؤخرًا عن قصة عجيبة حدثت لأحد أعلام الدين والدعوة المسلمين، وهو العلامة الراحل الدكتور محمد الراوي، والتي تجسد هذه الألفة العجيبة والتواؤم المذهل الذي لا يحدث إلا بين الأهل.

جاء تحت عنوان: "فضل عجلة جرجس على فضيلة الشيخ محمد الراوي"

قال العالم الجليل الشيخ محمد الراوي رحمه الله تعالى: "لما كنت في المعهد الديني، كان المعهد بعيدًا جدًا عن قريتنا، فكان جارنا عمي حنا يقول لابنه جرجس: ادِّ العجلة بتاعتك لمحمد يروح بيها المعهد، أنت مدرستك قريبة. وهكذا قضيت طول فترة المعهد رايح جاي بعجلة ابن عمي حنا.. ويمكن لو ما كانش عمي حنا إداني عجلة ابنه، ما كنتش كملت في المعهد، خاصة أن والدي كان متوفى وظروفي المادية صعبة".

وهنا أقول فيه: لم تكن عجلة ابن عم حنا لها فضل على الشيخ الراوي فقط، وإنما فضلها على الإسلام نفسه حين كانت سببًا في أن تقدم له عالمًا من أجل علمائه.. هل رأيتم كيف خدمت عجلة عم حنا الإسلام؟
هل هناك أجمل وأروع من هذا؟ في تلك الحكاية يصور الدكتور الراوي مشهدًا إنسانيًا يفيض بالنقاء، حيث يتحدث عن دراجة كانت تخص جاره القبطي، وكيف كان يستعير هذه العجلة دون استئذان طويل أو تكلف، وكأنها ملك خالص له، وكان ابن العم حنا يقدمها له بابتسامة الرضا والترحيب، واثقًا من محبة جاره ومكانته.

لم تكن القصة مجرد استعارة دراجة، بل كانت تجسيدًا للبيت المفتوح والعتبة المشتركة، فعندما يستحضر الدكتور الراوي هذه العجلة، فهو في الواقع يستحضر روحًا مصرية أصيلة، حيث الثقة المطلقة تجعل من القبطي والمسلم جسدًا واحدًا، يتقاسمان تفاصيل الحياة البسيطة والرغيف والمسيرة الواحدة.. إنها قصة تؤكد أن الجار في مصر هو الأخ، وأن ما يربطهما أكبر من حدود الفروق العقائدية؛ إنه ميثاق الأخوة في الأرض والوطن والمصير.

إن هذه الحكايات العفوية التي ذكرها الدكتور الراوي رحمه الله هي التي تبني جدار الصد المنيع ضد أي محاولات لزعزعة هذا النسيج، إننا في مصر لا نتحدث عن تعايش، فكلمة التعايش قد توحي بوجود تباعد أو مسافات، بينما الواقع المصري هو التمازج الذي لا فكاك منه، إن وحدة المصير في مصر هي إدراك فطري بأن فرح أحدهم هو فرح للجميع، وحزن أحدهم هو ألم يغلف قلوب المصريين كافة دون استثناء.

لقد قامت هذه الوحدة على أكتاف الأجداد الذين عاشوا في الحارات والقرى، حيث كانت الكنيسة والمسجد يتجاوران في تناغم، وكان صوت الأذان وأجراس الكنائس يمتزجان في سيمفونية واحدة تعلن حب هذا الوطن.

هذه المودة المستدامة ليست مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد فقط، بل هي صلة دائمة لا تنقطع، تتجلى في مواقف الشهامة والمواساة التي نراها في كل بقعة من أرض مصر، لتبقى مصر دائمًا محروسة بأخوة أبنائها، وأن مصر ستظل وطنًا يسع الجميع، ويحفظ فيه الأخ أخاه، ليبقى هذا النسيج متماسكًا قويًا.