قوية رغمًا عنها

وفاء وديع
وفاء وديع

بقلم: وفاء وديع
لم تُولد المرأة المصرية مقاتلة، لكن ظروف الحياة دفعتها إلى خوض معارك لم تكن يومًا من نصيبها وحدها. وبين لقمة العيش ومسؤوليات الأسرة، تحولت من شريكة في الحياة إلى حاملة لأثقالها كلها.

اقرأ أيضا| هي مش بتحبك
خلال زيارة لي لإحدى الدول العربية الشقيقة، لفت انتباهي مشهد متكرر؛ نساء يعملن في مختلف المجالات، لكنهن لا يحملن الهم الاقتصادي للأسرة كما تحمله المرأة المصرية في كثير من الأحيان. كانت المرأة هناك تمارس عملها باعتباره وسيلة لتحقيق الذات أو زيادة دخلها الشخصي، بينما تبقى مسؤولية الإنفاق على المنزل واجبًا أساسيًا على الزوج. أما راتبها فهو حق خالص لها، تنفقه كما تشاء دون أن تُطالب بالمشاركة في أعباء المعيشة أو متطلبات الأبناء.

هذا المشهد دفعني إلى التفكير في واقع المرأة المصرية، تلك المرأة التي أصبحت نموذجًا استثنائيًا في الصبر والتحمل. فهي لا تكتفي بدور الزوجة والأم، بل تحولت في كثير من البيوت إلى شريك أساسي في إعالة الأسرة، بل وأحيانًا إلى المعيل الوحيد عندما يتخلى الزوج عن دوره أو تعصف بالأسرة ظروف اقتصادية قاسية.

لقد دفعت الأوضاع الاقتصادية المتغيرة كثيرًا من النساء إلى سوق العمل، ليس بدافع الطموح فقط، وإنما بدافع الضرورة. فارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات التعليم والعلاج جعل المرأة تجد نفسها أمام مسؤوليات لم تكن مطالبة بها من قبل. والأمر لا يتوقف عند حدود العمل خارج المنزل، بل يمتد إلى إدارة شؤون الأسرة ورعاية الأبناء والاهتمام بكل التفاصيل التي تقوم عليها حياة البيت.

وفي حالات كثيرة، تصبح المرأة أمًا وأبًا في آن واحد. فهناك مطلقات وأرامل، وأخريات هجرهن أزواجهن أو تهربوا من مسؤولياتهم، فوجدن أنفسهن في مواجهة الحياة وحدهن. وهنا تتحول القوة من صفة اختيارية إلى ضرورة لا غنى عنها.

ولعل ما يميز المرأة المصرية أنها استطاعت أن تجمع بين الرقة والقوة في آن واحد. وقد عبّر فيكتور هوغو عن هذه الحقيقة بقوله: «المرأة أرق من أن تقسو، وأقوى من أن تُكسر». كما قال جبران خليل جبران: «المرأة كلمة لا تفسرها كل كلمات الرجال»، في إشارة إلى عمق شخصيتها وتعدد أدوارها الإنسانية. أما نجيب محفوظ فرأى أن «المرأة هي مصدر القوة الحقيقية في الحياة»، وهي قوة تتجلى اليوم في ملايين النساء اللاتي يعملن ويُربين ويضحين من أجل أسرهن.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل من الأفضل أن تكون المرأة قوية، قادرة على المنافسة في ميادين العمل والحياة، وقادرة على مواجهة الصعاب وتحمل المسؤوليات واتخاذ القرارات بنفسها؟ أم أن تظل حبيسة الصورة التقليدية للأنثى التي تنتظر دائمًا من يقوم عنها بالمهام الصعبة، فتظل رهينة انتظار الأب أو الأخ أو الزوج لإنجاز ما تحتاج إليه؟

لعل الإجابة لا تكمن في الاختيار بين القوة والأنوثة، فالقوة لا تنفي الأنوثة، والأنوثة لا تعني العجز. فالمرأة المصرية أثبتت عبر عقود طويلة أنها قادرة على أن تكون قوية عند الحاجة، وأن تحتفظ في الوقت نفسه برقتها وإنسانيتها. غير أن المأساة الحقيقية ليست في قوة المرأة، بل في اضطرارها أحيانًا إلى حمل أعباء كان يُفترض أن يتقاسمها الجميع. فحين تصبح القوة واجبًا لا خيارًا، تدفع المرأة ثمنًا باهظًا من راحتها وصحتها وعمرها، لتبقى رغم كل شيء سندًا لأسرتها وحصنًا لأبنائها.