بقلم: د. مكرم النبراوي
استشاري التربية والصحة النفسية - مدير عام الخطة والمنهج للتعليم بقطاع المعاهد الأزهرية
ليس التعلم مجرد عملية تمرير معلومات من عقل إلى آخر، ولا هو تلك اللحظة التي يدون فيها الطالب ملاحظات ثم يظن أنه امتلك المعرفة. التعلم البشري أعمق من ذلك بكثير؛ إنه رحلة مستمرة لترميم الوعي وعملية إعادة بناء وتشكيل لطريقة إدراك الإنسان للعالم من حوله.
اقرأ أيضا| أزمة الإنسان قبل أزمة التعليم
في جوهره، يبدأ هذا الترميم بالسؤال؛ لحظة القلق المعرفي التي تدفع الإنسان إلى الاعتراف بأنه لا يعرف. هذه اللحظة تحديدًا هي الشرارة الأولى لكل معرفة حقيقية. الطفل حين يسأل: “لماذا؟”، والباحث حين يشكك في مسلمة، والإنسان العادي حين يتوقف أمام ظاهرة لم يفهمها… جميعهم يقفون على العتبة نفسها: عتبة المخاض المعرفي.
لكن السؤال وحده لا يكفي، فالعقل البشري لا يتغير إلا عندما يصطدم بالتجربة. التجربة هنا ليست فقط الممارسة العملية، بل أيضًا التجربة الذهنية: قراءة فكرة صادمة، أو الاستماع لرأي مخالف، أو حتى الفشل في حل مشكلة. في هذه اللحظات يحدث ما يمكن تسميته بـ”إعادة التكوين العصبي”، حيث يبدأ الدماغ في ترميم تصدعاته وإعادة ترتيب روابطه الداخلية، كأنه يعيد كتابة نفسه بهدوء.
ومن المثير أن هذه الرحلة لا تسير في خط مستقيم، بل تشبه دوائر متداخلة من التقدم والتراجع. قد يظن الإنسان أنه فهم، ثم يكتشف لاحقًا أنه كان يفهم نصف الحقيقة فقط. وهذا ليس فشلًا، بل هو الهدم الإيجابي الذي يسبق البناء؛ فالمعرفة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُنتزع على مراحل، وكل مرحلة هي لبنة جديدة في مشروع إعادة إعمار الإنسان.
ثم يأتي دور الذاكرة، لكنها ليست خزّانًا جامدًا كما يُتصور. الذاكرة في الحقيقة كائن حي يعيد ترتيب نفسه كلما استُدعيت المعلومات. كل مرة نتذكر فيها شيئًا، نحن لا نسترجعه فقط، بل نعيد بناءه من جديد بوعينا الحالي. وهنا تتشكل الخبرة، لا من التراكم الكمي للمعلومات، بل من إعادة التفسير المستمر والترميم المتواصل لما نعرفه.
أما الدافع، فهو الوقود الخفي لهذا الإعمار. قد يتعلم الإنسان بدافع الفضول أو الحاجة أو الطموح، لكن غياب الدافع يحوّل أقوى المعلومات إلى حجارة ميتة لا تبني سقفًا ولا تقيم جدارًا. لذلك يظل السؤال الأهم: لماذا نتعلم؟ وليس فقط ماذا نتعلم؟
وفي النهاية، يصل الإنسان إلى لحظة التحول الأعظم: عندما يصبح ما تعلمه جزءًا من سلوكه دون وعي، وتذوب المعرفة في تفاصيل شخصيته. هنا فقط، ومن بين أنقاض الأفكار القديمة والوعي المرمم، تعلن لحظة ميلاد الحكمة؛ حيث يتحول الفهم إلى بصيرة، والعلم إلى سكينة.



