الشيخ مبارك علي: التصوف الأزهري يقوم على جهاد النفس.. وينكر الخرافات
«أبو الحجاج» ينافس الآثار الفرعونية في أعداد الزوار
للمنابر دور مهم في بناء الوعي.. ومواجهة الانحرافات
من قلب عاصمة التاريخ والخلود «الأقصر»، وحيث تتلاقى الحضارات في مشهد هندسي وروحاني مهيب، يقف مسجد سيدي أبو الحجاج الأقصري شاهدًا شامخًا على تعايش الأديان وعراقة الهوية المصرية، على ارتفاع 10 أمتار كاملة، معلقًا فوق صرح المعبد الفرعوني وبقايا الكنيسة القبطية. شددنا الرحال لنلتقي بقامة دينية وفكرية رفيعة، الشيخ مبارك علي محمد، إمام وخطيب المسجد، العالم الأزهري الجليل. في هذا الحوار الروحاني والتاريخي الشامل، فتح لنا الشيخ مبارك قلبه وصندوق أسرار هذا المقام المبارك، ليقدم لشباب الأمة ميثاقًا فكريًا لحراسة الوعي، مستلهمًا أسرار ثمانية قرون من الزهد والمحبة في الساحة الحجاجية.
وإلى نص الحوار:
● كيف استقر العارف بالله سيدي أبو الحجاج الأقصري في هذه المنطقة بقلب الأقصر دون باقي محافظات مصر، وما أسرار نسبه إلى بيت النبوة؟
إن سيدي أبا الحجاج الأقصري، رضي الله عنه وأرضاه، هو عالم جليل وصوفي نقي، يمتد نسبه الشريف إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهما السلام.
ولد في العاصمة العراقية بغداد في أواخر القرن السادس الهجري، وتلقى علومه هناك على يد كبار العلماء والمشايخ، لكن قلبه وروحه كانا معلقين بأرض مصر، كنانة الله في أرضه، فهاجر إليها واستقر في مدينة الأقصر؛ ليرسخ هناك مجالس العلم والذكر والزهد، وأسس ساحته الروحية الشهيرة التي أصبحت، على مدار أكثر من 800 عام، منارة للمحبة وإطعام الطعام ونشر قيم التسامح والصفاء بين الناس.
اقرأ أيضا|الشيخ مصطفى شلبي لـ«اللواء الإسلامي»: تجديد الخطاب الديني لا يعني تغيير الثوابت
إن وجوده في الأقصر لم يكن مجرد إقامة، بل كان تحولًا روحيًا وتاريخيًا للمنطقة بأكملها، حيث نجح بأسلوبه الأزهري الوسطي وعلمه الغزير في جذب القلوب، وتحولت ساحته إلى ملاذ لكل قاصد ومحب لآل البيت، ومدرسة تخرج منها أجيال من العارفين الذين نشروا سماحة الإسلام الصافي.
● كيف تعانقت المئذنة الإسلامية الفاطمية مع الأعمدة الفرعونية الشامخة فى مشهد هندسي أبهر العالم؟
هذا المسجد يمثل لوحة معمارية وتاريخية نادرة، ولا مثيل لها في العالم كله، فهو يرتفع نحو 10 أمتار معلقًا فوق الصرح الأثري لمعبد الأقصر الفرعوني، وتحديدًا فوق بقايا كنيسة قبطية قديمة.
هذا التشابك المعماري ليس مجرد بناء، بل هو رسالة حية وعميقة تجسد ملتقى الأديان الثلاثة على أرض مصر، وتبرز عبقرية الشخصية المصرية في استيعاب الحضارات والتعايش الإنساني.
إن رؤية المئذنة الفاطمية الإسلامية وهي تتماشى في خط واحد، وتتعانق مع الأعمدة والأعتاب الفرعونية الشامخة، تمنح الزائر شعورًا عظيمًا بهيبة التاريخ وعظمة هذا الوطن الذي يحترم التراث الإنساني عبر العصور، ويؤكد للعالم كله أن مصر كانت وستظل مهدًا للتسامح والسلام الأبدي.
● تشتهر الأقصر سنويًا باحتفالات المولد، أو ما يُعرف بـ«دورة أبو الحجاج»، التي يمتزج فيها الفلكلور الشعبي بالروحانيات، فما أسرار هذه المناسبة وأثر «الحمام الرفراف» الذي يملأ الساحة؟
احتفالات «دورة سيدي أبو الحجاج» هي طقس سنوي عريق ومبهج، يعبر فيه أهل الأقصر والصعيد عن محبتهم لآل البيت وللأولياء الصالحين. هذا الاحتفال يمتزج فيه الفلكلور الشعبي الأصيل بالروحانيات والإنشاد الصوفي، حيث تخرج الأناشيد والمواكب وتُقام موائد الطعام للفقراء والمغتربين.

أما عن ساحة المسجد، فهي تتميز بظاهرة جميلة ومحببة لقلوب الزوار، وهي أسراب «الحمام الرفراف» التي تطوف حول المآذن والمقام طوال الوقت، وكأنها تشارك المحبين طمأنينتهم وسلامهم النفسي، مما يضفي على الساحة الحجاجية طاقة نورانية وروحانية فريدة يشعر بها كل من يطأ هذه الأرض المباركة.
● تشهد المساجد الأثرية ومقامات الصالحين طفرة كبرى في العمارة والتجديد بدعم من الدولة ووزارة الأوقاف، كيف انعكس هذا الاهتمام على جامع أبي الحجاج؟
لا شك أن ما تشهده مصر من اهتمام بالمساجد الأثرية والمعالم الدينية يمثل خطوة مهمة في الحفاظ على الهوية الحضارية والدينية والوطنية، وقد انعكس هذا الاهتمام على جامع سيدي أبي الحجاج من خلال أعمال التطوير والصيانة والرعاية المستمرة، بما يليق بمكانته التاريخية والدينية والسياحية.
اقرأ أيضا|الأوقاف تفتتح 16 مسجدًا غدًا ضمن خطتها لإعمار بيوت الله
وهذه الجهود لا تخدم الجانب العمراني فقط، وإنما تعزز الدور الدعوي والثقافي للمسجد، وتوفر بيئة مناسبة للعبادة والعلم والتوعية، كما تسهم في إبراز الصورة الحضارية لمصر أمام زوارها من مختلف أنحاء العالم، وتؤكد قدرة الدولة المصرية على الجمع بين الحفاظ على التراث وخدمة الحاضر وصناعة المستقبل.
● كيف يواجه المسجد اليوم أي مظاهر أو سلوكيات مغلوطة قد تحدث في الزيارات والموالد، لتقديم الصورة الناصعة للتصوف النقي للزوار؟
التصوف الصحيح الذي نعرفه في الأزهر الشريف هو مقام الإحسان الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». والتصوف عند أئمة الأمة هو تزكية للنفس، وتهذيب للأخلاق، وتعظيم للكتاب والسنة، وليس ممارسات خارجة عن الشرع أو غلوًا في الأشخاص.
ولعل من أجمل ما قيل في بيان حقيقة التصوف ما ذكره الإمام الأكبر د. عبد الحليم محمود، رحمه الله، حين قال إن التصوف جهاد للنفس، وطريق إلى معرفة الله، وليس بحثًا عن الكرامات أو خوارق العادات.
ومن هذا المنطلق يحرص جامع أبي الحجاج على نشر التصوف الأزهري الوسطي الذي يجمع بين صحة العقيدة، وصلاح العبادة، وحسن الخلق، وخدمة المجتمع. كما يتم التأكيد دائمًا على أن محبة الأولياء والصالحين لا تعني الغلو فيهم، وأن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وأن المقامات والمساجد إنما تُزار للاعتبار والدعاء والاتعاظ والتذكر.
وبهذا الفهم المتوازن نحافظ على الصورة المشرقة للتصوف الإسلامي الصحيح الذي أسهم في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع عبر القرون.
● كيف يسعى منبر مسجد أبي الحجاج إلى إعادة ربط الشباب بقيم الانتماء وبناء العقول المستنيرة؟
الشباب هم ثروة الأمة الحقيقية وصناع مستقبلها، ومن أهم أدوار المسجد اليوم بناء الوعي السليم، وترسيخ الهوية الوطنية والدينية، وربط الشباب بالقيم الأصيلة التي تحميهم من الانحراف الفكري والأخلاقي.
ولهذا نحرص على أن تكون رسالتنا للشباب قائمة على العلم والحوار والإقناع، وربط التدين الصحيح بالعمل والإنتاج والإبداع وخدمة المجتمع. فالشاب المسلم مطالب بأن يكون ناجحًا في دينه ودنياه، معتزًا بهويته، منفتحًا على معطيات العصر، مساهمًا في بناء وطنه وخدمة أمته.




