الفتوى مسئولية لا يتصدى لها غير المتخصصين
الفتوى "طب روحي" لا يجوز أن يمارسه غير المتخصصين
الأزهر يستعين بخبراء الاقتصاد والتكنولوجيا لفهم المستجدات
الزواج ميثاق غليظ وليس تجربة مؤقتة
التغافل والحوار من أسرار نجاح الحياة الزوجية
الطفل يتعلم بما يراه أكثر مما يسمعه
المنصات الرقمية تحولت إلى ساحة معركة فكرية
التجديد الحقيقي قراءة للواقع في ضوء النص الشرعي
يشهد العالم تحولات متسارعة بفعل الثورة التكنولوجية وانتشار المنصات الرقمية، ما أوجد تحديات جديدة أمام المؤسسات الدينية في مجالات الفتوى وبناء الوعي والحفاظ على استقرار الأسرة. وفي ظل تزايد التأثيرات الفكرية والثقافية لوسائل التواصل الاجتماعي، تتعاظم الحاجة إلى خطاب ديني واعٍ يجمع بين فهم الواقع والالتزام بثوابت الشريعة.
«اللواء الإسلامي» التقت الشيخ مصطفى شلبي، أحد علماء الأزهر الشريف، لعرض رؤيته لقضايا الفتوى المعاصرة، وتجديد الخطاب الديني، ودور القيم الأخلاقية في مواجهة التفكك الأسري وتعزيز استقرار المجتمع..
فقه الواقع
■ كيف يتعامل المنهج الأزهري مع "فقه الواقع"؟ وما خطورة تصدي غير المتخصصين للفتوى عبر الإنترنت؟
المنهج الأزهري يقوم على أربعة أركان أساسية: النص المنضبط، والعقل المستنير، والفهم العميق للواقع، والتنزيل الصحيح للأحكام بما يحقق مصالح الناس. فالفتوى لا تنفصل عن ظروف السائل وواقعه، لأن الأحكام الاجتهادية تتأثر باختلاف الزمان والمكان والأحوال.
وتكمن الخطورة في تصدي غير المؤهلين للفتوى عبر الإنترنت؛ إذ يفتقرون إلى الأدوات العلمية اللازمة، فيصدرون أحكامًا مبتورة أو مجتزأة قد تثير البلبلة وتؤدي إلى الانقسام والفتن. فالفتوى أمانة عظيمة، وهي بمثابة "طب روحي" لا يجوز أن يمارسه إلا المتخصصون.
الشريعة والتكنولوجيا
■ كيف تتعامل المؤسسات الدينية مع المستجدات المالية والتكنولوجية الحديثة؟
الأزهر الشريف يتعامل مع هذه القضايا من خلال التعاون مع المختصين في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا لفهم طبيعة المستجدات وآليات عملها قبل إصدار الأحكام الشرعية بشأنها، انطلاقًا من القاعدة الفقهية: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
ودور المؤسسة الدينية هو وضع إطار أخلاقي وشرعي لهذه التطورات بما يحفظ الحقوق ويمنع الغش والاستغلال، مع التيسير على الناس وفتح أبواب البدائل المشروعة، تأكيدًا على أن الشريعة الإسلامية ترحب بكل تقدم يخدم الإنسان ويحفظ القيم.
اقرأ أيضًا| عالم أزهري يحذر من فوضى الفتاوى الإلكترونية ويدعو لحماية الأسرة
الأسرة المستقرة
■ ما رؤيتكم لبناء أسرة مستقرة في ظل ارتفاع معدلات الطلاق؟
بناء الأسرة المستقرة يبدأ قبل عقد الزواج، من خلال حسن الاختيار القائم على الدين والخلق والتوافق الفكري، مع إدراك أن الزواج ميثاق غليظ ومسؤولية مشتركة، وليس علاقة مؤقتة.
كما أن استقرار الأسرة يقوم على المودة والرحمة والتسامح والتغافل عن الأخطاء الصغيرة، وليس على العناد أو الرغبة في الانتصار داخل الحياة الزوجية. وأوصي الشباب والفتيات بتعلم ثقافة الحوار، والحفاظ على خصوصية الحياة الأسرية، واللجوء إلى التفاهم والصبر عند وقوع الخلافات، فصلاح الأسرة هو الأساس لصلاح المجتمع كله.
القدوة الحسنة
■ كيف يمكن إحياء القيم الأخلاقية والتربوية لدى الأجيال الجديدة؟
إحياء الأخلاق يبدأ من القدوة الحسنة داخل الأسرة والمدرسة والتربية الصحيحة، فالطفل يتأثر بما يراه أكثر مما يسمعه. كما يجب ربط القيم الأخلاقية بالجانب الإيماني والروحي، حتى يدرك الأبناء أن الصدق والأمانة وبر الوالدين وحسن الجوار ليست سلوكيات اجتماعية فحسب، بل هي من صميم التدين الصحيح.
ونصيحتي الدائمة هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحري الحلال في العمل والكسب، والالتفاف حول المرجعيات الدينية الوسطية التي تجمع بين الأصالة والانفتاح الواعي.
السوشيال ميديا
■ كيف يمكن للداعية المعاصر استثمار وسائل التواصل الاجتماعي في بناء وعي ديني صحيح لدى الشباب؟
أصبحت المنصات الرقمية اليوم ساحة مؤثرة في تشكيل الأفكار والاتجاهات، ولذلك لا ينبغي للداعية أن يبتعد عنها، بل أن يوظفها في تقديم خطاب علمي رصين بلغة عصرية جاذبة.
وبناء الوعي يتطلب توفير محتوى رقمي هادف ينافس المحتويات المشوهة، مع مخاطبة الشباب بلغة يفهمونها، وترسيخ منهج التفكير الواعي والنقدي المستند إلى قيم الإسلام الوسطية. فالمطلوب تحويل هذه المنصات إلى أدوات لنشر المعرفة والقيم الإيجابية، لا إلى ساحات للفوضى الفكرية.
تجديد الخطاب الديني
■ ما المقصود بتجديد الخطاب الديني من وجهة نظر الأزهر الشريف؟
التجديد لا يعني هدم التراث أو تغيير الثوابت، وإنما يعني تجديد أساليب الفهم والعرض والتفاعل مع قضايا العصر في ضوء النصوص الشرعية.
فالعقيدة والعبادات والأخلاق تمثل ثوابت لا تقبل التبديل، بينما تظل المعاملات وشؤون الحياة المتجددة مجالًا رحبًا للاجتهاد المنضبط الذي يواكب متطلبات العصر ويحافظ في الوقت نفسه على مقاصد الشريعة وقيمها.
وفي النهاية أكد الشيخ مصطفى شلبي أن التحديات المعاصرة تتطلب وعيًا رشيدًا يجمع بين فهم الواقع والتمسك بالثوابت، وأن استقرار الأسرة، وضبط الفتوى، وتجديد الخطاب الديني، كلها ركائز أساسية لبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.



