من حصن للمقاومة الشعبية إلى درة للآثار الإسلامية

المسجد العباسي - ذاكرة بورسعيد الحية

المسجد العباسي ببورسعيد
المسجد العباسي ببورسعيد

حكاية مسجد نجا من الحروب واستعاد بريقه بالترميم

فى قلب حي العرب أحد أقدم أحياء بورسعيد وأكثرها ارتباطًا بتاريخ المدينة، يقف المسجد العباسي شامخًا كواحد من أبرز معالمها الدينية والأثرية، الذي ظل على مدار أكثر من قرن شاهدًا على نشأة المدينة وتحولاتها الكبرى، واحتفظ بمكانته منبرًا رسميًا للمناسبات الدينية وملاذًا وطنيًا ارتبط ببطولات المقاومة الشعبية، قبل أن يستعيد رونقه المعماري عبر مشروع ترميم أعاد إليه تفاصيله الأصلية وجماله التاريخي.  

تعود نشأة المسجد العباسي إلى عام 1904م (1322هـ)، حين أمر الخديوي عباس حلمي الثاني بتشييده ضمن مشروعه لبناء أكثر من مائة مسجد على الطراز نفسه فى أنحاء مصر، ليكون بذلك ثاني أقدم مساجد المدينة بعد المسجد التوفيقي، وأقيم المسجد على مساحة 766 مترًا مربعًا فى موقع يتوسط شارع محمد علي الفاصل بين حي العرب والحي الأفرنجي، ليجسد نقطة التقاء ثقافى وحضاري داخل المدينة، ولم يقتصر دوره على العبادة فقط، إذ ضمت ملحقاته ورشًا ومحالاً تجارية للحرف اليدوية، ليجمع بين البعدين الديني والتنموي.  

اقرأ أيضًا: "المساجد المحورية" فقة الدعوي الميداني في القرى وأحياء المدن

ولم يكن المسجد بعيدًا عن الأحداث الوطنية الكبرى، فأثناء العدوان الثلاثي عام 1956 تحول إلى ملاذ آمن للفدائيين وأبطال المقاومة الشعبية،
وبينما كانت آلات الدمار تضرب المنطقة المحيطة به، بقي المسجد بفضل العناية الإلهية البناء الوحيد المكتمل، صامداً وسط الركام، كما ارتبط وجدانياً بزيارات الزعيم جمال عبد الناصر الذي اعتاد الصلاة فىه خلال احتفالات عيد النصر يوم 23 ديسمبر ذكرى رحيل آخر جندي إنجليزي عن أرض الوطن. 

ومع مرور السنوات نالت عوامل الزمن من هذا الإرث البديع، حتى جاءت نقطة التحول فى مايو 2017، بانطلاق عملية ترميم شاملة بموافقة اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية، وبمساهمة من أحد رجال الأعمال البورسعيديين، وتحت إشراف قطاع المشروعات بوزارة الآثار ووفقًا للمواثيق الدولية.                                                                                      

ونجح خبراء الآثار باستخدام أحدث الأساليب العلمية فى إزالة أعمال الترميم الخاطئة والدهانات الحديثة التي طمست معالم المسجد قبل تسجيله أثرًا عام 2006، وكانت المفاجأة الكبرى عند الكشف عن الزخارف النباتية والهندسية الأصلية، وإعادة إحياء 16 بيتاً من قصيدة «نهج البردة» للإمام البوصيري والتي كانت تزين أعتاب النوافذ، وفى أغسطس 2018، افتتح المسجد بعد إعادته إلى سيرته الأولى كدرة تاج المساجد الأثرية.


العباسي الجديد والقديم. 

لم تتوقف الجهود عند حدود الترميم، بل امتدت لتشمل الحفاظ على الطاقة الاستيعابية للمصلين، حيث شهدت المنطقة المحيطة بحرم المسجد القديم، والتي كانت تشغلها الورش المنتقلة إلى حدود المدينة، تجديداً شاملاً تكفل به رجل الأعمال المرحوم إبراهيم شرارة والذي جاء من عائلة مهتمة بإعادة إعمار المساجد فى المحافظة ومنها المسجد التوفىقي ومسجد الشاطئ.

وأثمر هذا التجديد عن بناء مسجد جديد كلياً بجوار المبنى الأثري القديم ليتسع لأضعاف المصلين، وهو ما ضمن استمرار المسجد العباسي كمركز رسمي للاحتفالات الدينية الكبرى بالمحافظة مثل: ليلة القدر، والإسراء والمعراج، وصلاتي العيد.

اقرأ أيضًا: «أبوالعباس المرسى» يضيء کورنيش الإسکندرية

ومع أهمية المسجد التاريخية والأثرية، برزت خلال الفترة الأخيرة دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي من بعض المهتمين بالشأن الأثري تطالب بإغلاق المبنى الأثري القديم أمام الاستخدام اليومي، وتحويله إلى متحف أو قصر استخدامه على الزيارات والمناسبات الرسمية.

ويستند أصحاب هذه الدعوات إلى الرغبة فى حماية الزخارف الدقيقة والأعتاب الخشبية النادرة من عوامل الاستهلاك والتأثيرات البيئية، بما يضمن الحفاظ على هذا الإرث المعماري للأجيال المقبلة.