الاسكندرية : أشرف شرف
من جديد يسطر أهالي الإسكندرية صفحة مضيئة، يستلهمون من تاريخ مدينتهم، ليعيدوا كتابة حاضرهم في بقعة مقدسة بميدان المساجد، حيث تلتقي أمواج البحر بطقوس العبادة، والتراث الفريد بالأحجار المزخرفة.
«الإسكندرانية» لا يرممون الرخام فحسب، بل يبعثون الروح في الجدران الصامتة لتحكي بنقوشها البديعة حكاية مدينة عانقت السماء بمآذنها واحتضنت البحر بسحرها، يزيحون غبار السنوات عن تحف أبي العباس المرسي ورفاقه من الأئمة والدعاة، علماء سكنوها واحتضنتهم عروس البحر، في قلبها النابض «بحري»، تتسابق الأنامل الماهرة في إحياء الزخارف الأندلسية والنقوش الإسلامية، ليتحول الأذان إلى لحن بصري مدهش يتردد صداه على امتداد الكورنيش.
اقرأ ايضا: محافظ قنا يؤدي صلاة الجمعه بمسجد سيدي ابو العباس الدندراوي ويستمع لشكاوي

جولة تفقدية لوزير التنمية ومحافظ الاسكندرية للمرحلة النهائية من مشروع تطوير الميدان
تشهد منطقة بحري، أقدم أحياء الإسكندرية وأكثرها ارتباطًا بالذاكرة الدينية والتراثية للمدينة، اللمسات الأخيرة لأهم عمليات الإحياء الحضاري في الثغر عبر مشروع تطوير ميدان المساجد؛ الذي انطلق منذ عامين، ضمن استراتيجية محافظة الإسكندرية لرفع كفاءة المواقع والميادين المتميزة وإبراز قيمتها التاريخية والسياحية.
يأتي المشروع في محيط مسجد أبي العباس المرسي، باعتباره أحد أهم الرموز الروحية والمعمارية في المدينة، وفي نطاق حي الجمرك الذي يُعد من أقدم أحياء الإسكندرية.
بنية المكان
ويقول المهندس الاستشاري محمد مصطفى أحد المشرفين التنفيذيين على المشروع، إن التطوير لا يقتصر على إعادة صياغة المشهد البصري للميدان، بل يمتد إلى معالجة بنية المكان نفسها؛ إذ تشمل الأعمال تطوير الساحة العلوية، وساحة المقامات، وحديقة ميدان المرسي أبو العباس، ومسجد البوصيري، إلى جانب ترميم الجراج الأرضي الذي تضرر بفعل تسربات المياه الجوفية وتهالك شبكة الصرف الصحي.
كما ظهرت في الميدان مؤخرًا بوابات جديدة، وتجديد للأرضيات، وإضافة مساحات خضراء، مع إنشاء «باكيات» منظمة للمحال التجارية في الجهة الخلفية، واستبدال الأرضيات الأسفلتية بالرخامية، في محاولة لإعادة الانضباط الجمالي والوظيفي إلى الموقع.
ويضيف المعماري السكندري أن أهمية المشروع تزداد لشموله منظومة كاملة من المساجد والأضرحة التي تمثل طبقة راسخة من تاريخ الإسكندرية الديني؛ فالموقع يضم، بحسب الرؤية الميدانية للمشروع، مسجد سيدي المرسي أبو العباس وما يشتمل عليه من أضرحة، ومسجد سيدي ياقوت العرش، ومسجد سيدي محمد البوصيري، ومسجد سيدي نصر الدين، ومسجد سيدي أحمد أبو الفتح، فضلًا عن المقامات المحيطة مثل مقام السيدة مندرة ومقام المحمديين ومقام سيدي أبو الإخلاص الزرقاني. وهذه الكتلة التراثية تمنح المشروع بعدًا يتجاوز الترميم إلى حماية هوية المكان وصون ذاكرته العمرانية والروحية.
كما يحمل المشروع رؤية سياحية وثقافية أوسع؛ إذ تتضمن التصورات المطروحة له إنشاء مسار سياحي يربط الأضرحة السبعة، وتنظيم الحركة داخل الموقع، وتطوير الخدمات الموجهة للزوار والمصلين، مع طرح مناطق تجارية وخدمية جديدة، ومتحف للتعريف بمقتنيات المسجد ومخطوطاته، إضافة إلى تصور لإعادة توظيف بعض الفراغات في خدمة الأنشطة الدينية والاجتماعية والثقافية. وبهذه الرؤية، لا يصبح ميدان المساجد مجرد ساحة عبور، بل مزارًا متكاملًا يجمع بين العبادة والتراث والسياحة، ويعيد إلى بحري مكانتها كواجهة دينية وحضارية فريدة في الإسكندرية.
متابعة ميدانية
د. منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع خطوات مشروع تطوير ميدان المساجد، حيث أكدت خلال زيارتها التفقدية للمشروع، مؤخرا، أن أعمال التطوير بميدان المساجد تراعي الحفاظ على الطابع التاريخي والحضاري للمنطقة ورفع كفاءة وتحسين البنية التحتية والحد من العشوائية بما يدعم جهود الدولة فى تحسين جودة الحياة للمواطنين، كما تسهم الأعمال في تعزيز المقومات السياحة لمحافظة الإسكندرية، وخلق مساحات حضارية جاذبة للمواطنين والزائرين، وأشارت وزيرة التنمية إلى أن هذه المشروعات تأتى في إطار رؤية متكاملة لإحياء المناطق التراثية وتعزيز الهوية البصرية بالإسكندرية، بما يسهم في دعم النشاط السياحي والاقتصادي.
اقرأ أيضا: وزيرا "التنمية المحلية"و"التموين" يفتتحان صرحا جديدا للثروة الحيوانية

لقاء مع وفد سياحى بميدان المساجد
ومن جانبه أكد المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية أن مشروع تطوير ميدان المساجد يأتي في إطار إحياء حضاري متكامل للمنطقة المحيطة بمجمع المساجد، بما يعكس قيمتها التاريخية والدينية، مشيرًا إلى أن أعمال التطوير تشمل إنشاء ساحات مفتوحة للصلاة، ومناطق جلوس، وتطوير اللاند سكيب، وتحديث منظومة الإضاءة، مع الحفاظ الكامل على الطابع التراثي للموقع.
وقد حرصت أعمال التطوير على خلق مسار تجارى متكامل في المنسوب الأرضى المنخفض، والمسار الديني والتراثي في المنسوب الأعلى؛ ليربط كل المساجد وأماكن الصلاة المختلفة كما يوفر المشروع مجموعة من الخدمات المختلفة للجميع لخدمة مرتادى المكان وسكان المنطقة المحيطة من دار للمناسبات وتحفيظ القرآن الكريم، بالإضافة إلى مطابخ لتوزيع الوجبات المجانية للمستحقين ويعتبر المشروع إعادة إحياء للقلب النابض لأحد أهم المناطق السكندرية الأصيلة التي تحتل مكانة خاصة في قلوب أهل الإسكندرية وزائريها وكذلك الوفود السياحية الغربية والأجنبية على مدار العام.
حدائق وساحات ومراكز خدمات بمحيط المساجد

لجنة التراث
أما د. هشام سعودي نقيب مهندسي الإسكندرية، و رئيس اللجنة الدائمة للحفاظ على التراث بالمحافظة، فيقول إن اللجنة قامت مع بدء مشروع التطوير بمعاينة أعمال الترميم بمسجد أبي العباس المرسي، لمضاهاتها مع الصور والتصميمات الخاصة ببعض من الزخارف التي تأثرت معالمها بفعل الزمن و مراجعة أعمال مقاول الترميم، لاستعادتها من جديد، وتم تنفيذها من خلال شركات متخصصة في ترميم المباني التراثية وتحت إشراف اللجنة.
ويضيف رئيس لجنة التراث أن مسجد أبو العباس المرسي يعد من أعرق المباني التراثية في الإسكندرية التي أنشأها المعماري الإيطالي ماريو روسي، وجعله إضافة وطفرة في المعمار الإسلامي بتصميم وإنشاء المسجد بشكل ثماني، وأن المسجد بدأت عملية بنائه عام 1933م، وأقيمت أول صلاة بالمسجد بعد افتتاحه في عام 1945 ميلاديا؛ حيث استمرت أعمال البناء لمدة ١٢ عاما تقريبا لخروجه بالشكل المعماري الفريد ومزج العمارة المملوكية ببعض عناصر العمارة الأندلسية.
ومن جانبه، قال الداعية الشيخ سلامة عبد الرازق وكيل وزارة الأوقاف الأسبق بالإسكندرية، إن مسجد أبو العباس خضع لمشروع درء خطورة قبل بدء مشروع التطوير الشامل للميدان، نتيجة لتشققات في السقف وقامت المديرية بالتقدم للحصول على ترخيص من حي الجمرك من أجل الحفاظ على سلامة المبنى.
وأكد الشيخ عبد الرازق أن المسجد يعمل بشكل طبيعي، طوال فترة تنفيذ مشروع التطوير، حيث تقم به الصلوات ويستضيف الاحتفالات والمناسبات الدينية، ومستمر في استقبال المصلين دون أي معوقات، ولكن المديرية قامت بغلق بعض من دورات المياه بالمسجد، لفترة محدودة، بسبب تشققات في الأسقف بها قبل انتهاء أعمال ترميمها وتم فتحها من جديد.
وأضاف أن المشروع يمثل خطوة هامة لإعادة إحياء المنطقة دينيا وسياحيا، حيث يعد الميدان مقصدا رئيسيا للزائرين من داخل مصر وخارجها، خاصة في المواسم الدينية. ومن المتوقع أن يسهم التطوير في تحسين تجربة الزائرين، وتنشيط الحركة التجارية، وإعادة الميدان إلى مكانته كأحد أبرز المعالم التاريخية في الإسكندرية.
ويتضمن المشروع أعمال تطوير شاملة للبنية التحتية، تشمل رصف الطرق المحيطة وإعادة تنظيم الحركة المرورية لمنع التكدسات، إلى جانب إنشاء مسارات مخصصة للمشاة وأماكن انتظار للسيارات السياحية. كما يشمل تركيب منظومة إضاءة حديثة تبرز الطابع المعماري الإسلامي للمساجد والمقامات، إضافة إلى تنسيق «لاند سكيب» متكامل وزراعة مسطحات خضراء تعزز القيمة الجمالية للموقع.
التصميمات المعتمدة تراعي الالتزام بالهوية التاريخية للمنطقة، من خلال استخدام خامات متوافقة مع الطراز المعماري القديم، مع منع أي مظاهر بصرية حديثة قد تشوه المشهد العام.
مع ترميم العناصر الزخرفية والواجهات الحجرية تحت إشراف متخصصين في ترميم الآثار لضمان الحفاظ على أصالة المكان.
معلم ديني وثقافي يجذب ملايين الزوار

مسجد أبو العباس تم بناؤه فوق ضريح الإمام أبي العباس المرسي، أحد أشهر الأقطاب الصوفية، ليصبح مع الزمن معلمًا دينيًا وثقافيًا يجذب الزوار والمريدين من كل مكان.
يتسم المسجد بطراز معماري فريد مستلهم من الفن الأندلسي، ومئذنته الشاهقة التي يبلغ ارتفاعها ٧٥ مترًا.
يتكون المسجد من ثماني أضلاع، طول كل منها ٢٢ مترًا، وتعلوه قبة رئيسية ضخمة تتوسط السقف، تحيط بها قبتان جانبيتان وأربع قباب صغيرة فوق الأضرحة. من أبرز ملامحه أيضًا ثريته البلورية العملاقة، التي تعد أكبر ثريا في مساجد مصر، بوزن ٢.٥ طن وارتفاع ٧ أمتار.
صُممت الأبواب والنوافذ من خشب الجوز والليمون، وتزين الجدران نقوش هندسية وزخارف نباتية دقيقة، أما الأعمدة الداخلية فهي من الجرانيت الإيطالي المصقول على الطراز الإسلامي، بما يعكس دقة البناء وجمال التفاصيل.
تأسس المسجد عام ٧١٦ هـ (١٣١٦ م) على يد أحد التجار المغاربة، وتم تجديده مرارًا في عصور المماليك والعثمانيين. تعرض لانهيار جزئي بسبب زلزال عام ١٩٢٩، ثم أعيد بناؤه بالكامل على يد المهندس الإيطالي ماريو روسي في عهد الملك فؤاد الأول واستمر البناء حتى عام ١٩٤٣.
شهد المسجد توسعات كبرى في عهد الملك فاروق، حيث أضيف مصلى للسيدات، كما خضع لترميم شامل عام ١٩٩٧ بتكلفة ٥ ملايين جنيه.
هذه العناية المستمرة تعكس مدى ارتباط المصريين وخصوصًا السكندريين به ،لا يقتصر المسجد على مكان للعبادة فقط، بل يُعد مركزًا صوفيًا هامًا، حيث يضم ضريح الإمام أبي العباس المرسي وتلاميذه، ويُعد قبلة لمحبي الطرق الصوفية، خاصة خلال الموالد والمناسبات الدينية.
وُلد أبو العباس المرسي في مرسيه بالأندلس عام ٦١٦ هـ (١٢٢٠م)، وتتلمذ على يد كبار العلماء، وصحب القطب أبا الحسن الشاذلي.
عرف بورعه وزهده، وكان من أبرز العارفين بالله، ودفن بالإسكندرية عام ٦٨٦ هـ، ليبقى قبره مزارًا ومقامًا لأهل الذكر والمحبين.
ينتمي مسجد أبي العباس إلى مجمع “ميدان المساجد”، الذي يضم إلى جانبه مساجد أخرى عظيمة مثل مسجد الإمام البوصيري والإمام ياقوت العرش، مما يجعل من المكان نقطة التقاء روحانية ومعمارية نادرة.



