بقلم/ محروس بُريَك
في قوله تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا) «المدثر 11-16» عُدل في قوله عز وجل: (ثم يطمعُ أن أزيدَ) من الإطلاق إلى التقييد، على الرغم من أن الفعل منصوب بـأن، مما يجعل ورود ألف الوصل له ما يبرره؛ لكن الفاصلة جاءت مقيدة غير موصولة بالألف، فهذا الكافر وهو الوليد بن المغيرة كما يقول القرطبي: «يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد.
وقال الحسن وغيره: أي ثم يطمع أن أدخله الجنة، وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي؛ فقال الله تعالى ردا عليه وتكذيبا له: (كَلَّا) أي لست أزيده»، وفي (كَلَّا) زجر وقطع لرجائه، وقيل إنها «لم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال والجاه، وانتكاس، حتى هلك».
إن هذا القطع لرجائه ونقصان ماله ناسبه أن تأتي الفاصلة في قوله تعالى أن أزيد منفردةً عن غيرها من فواصل ذلك الجزء من السورة؛ إذ جاءت على هيئة المقطع الطويل المغلق زِيد؛ وبذلك يتناسب نقصان ماله وجاهه مع هذا الإيقاع المغلق المنتهي بالصامت.
اقرأ أيضًا : فى بلاغة الفواصل القرآنية 3
كما أن ردعه وزجره عن طمعه ناسبه أن يُعدل عن المقطع المتوسط المفتوح دَا، إذ الروي حرف الفاصلة الدال الموصولة بالألف التي يوحي فيها الإطلاق الصوتي بإطلاق العطاء فيما مضى مالا ممدودا وبنين شهودا، إلى ذلك المقطع الطويل المغلق لكي يوقف على حرف الروي الدال بالسكون فيتحقق له شيء من الشدة والانفجار عند النطق وهو ما يُعرف بالقلقلة. إن ذلك العدول الإيقاعي بهبوط نغمة إيقاع هذه الفاصلة ثم صعود نغمة إيقاع الفواصل التالية مرة أخرى يوحي بالجزم في عدم الزيادة التي عهدها من قبل، وذلك الجزم والحسم أكده السياق اللغوي للآيات اللاحقة التي بدأت بـكلا زجرًا له، وأكده كذلك سياق حاله بعد نزول الآيات؛ إذ ما زال في نقص من ماله وجاهه حتى هلك.
وفي قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) «الإسراء: 1» عُدل عن الفاصلة المطلقة بالألف في آيات السورة جميعها إلى الفاصلة المقيدة في هذه الآية فحسب؛ إذ الهيئة المقطعية لهذه الآية )صِير( في حين أن بقية آيات السورة هيئتها المقطعية )لا، رَا، مَا، فَا( في: وكيلا، شكورا، أليما، لفيفا.
ومما لا شك فيه أن هذا العدول الإيقاعي يوحي بدلالة أو يرجح معنى دون آخر؛ إذ الأظهرُ أن الضميرين في قوله تعالى )إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ( كما يرى بعض المفسرين، عائدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تلك الإراءة كما يقول الطاهر بن عاشور: «من باب الحكمة، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فهو من إيتاء الحكمة من هو أهلها، والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبي أوقع، إذ لا حاجة إلى تعليل إسناد فعل الله تعالى لأنه محقق معلوم».
ولما كانت الآية تتحدث عن أمر خارق للعادة جاءت مخالفة إيقاعيا لآيات السورة كلها، في إشارة إلى أنه ينبغي أن تفهم في سياقها الخاص بها وهو كون الإسراء والمعراج معجزة لا تخضع لنواميس الكون.



