حجة الوداع هي الوحيدة التي حجها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها ضرب صلى الله عليه وسلم أروع المثل في التيسير على الناس، حيث كان صلى الله عليه وسلم يقول لمن يسأله عن بعض المناسك تقديمًا أو تأخيرًا، أو غير ذلك: «افعل ولا حرج»، وكرر ذلك كثيرًا.
وفيها خطب الناس خطبة كأنها موعظة مودِّع، استهلها صلى الله عليه وسلم بقوله: «أيها الناس، اسمعوا مني أُبيِّن لكم، فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه».
مؤكدًا على حرمة الدماء والأموال والأعراض، فلم يكد النبي صلى الله عليه وسلم يُلمّ بالحمد والثناء على الله عز وجل والوصية بالتقوى، حتى أعلن عن حرمة الدماء والأموال، فدماء الناس وأموالهم حرام كحرمة يوم عرفة، في هذا الشهر الحرام ـ شهر ذي الحجة ـ في هذا البلد الحرام، مكة المكرمة.
يقول الله عز وجل: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93).
ومن المعاني التي تضمنتها هذه الخطبة الجامعة التحذير من التلاعب بالأشهر الحرم، فقد كان العرب إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه، وحرّموا مكانه شهرًا آخر، فيستحلون المحرم ويحرمون صفرًا، فإن احتاجوا أيضًا أحلوه وحرّموا ربيع الأول، وهكذا كانوا يعملون حتى استدار التحريم على السنة كلها.
فلما كان العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم، كان يوم عرفة في زمانه الأصلي، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».
ومن أهم المعاني أيضًا الوصايا بالنساء، فأوصى نبينا صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا، وأكد في كلمات موجزة جامعة القضاء على الظلم الذي كان يقع على المرأة في الجاهلية، وحفظ لها حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية.
ومن المعاني التي قررتها الخطبة مبدأ الأخوة والمساواة، فأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، فلا فضل للون أو جنس، ولا مزية لوطن أو لغة، إنما هو مقياس واحد تتحدد به القيم، ويُعرف به فضل الناس جميعًا، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وقد أكدت الخطبة على ضرورة الالتزام بمنهج الله، وإعطاء كل وارث حقه، وأنه لا وصية لوارث، وأن الوصية لا تجوز فيما زاد على الثلث.
وقد صوّرت هذه الخطبة، في دقة بالغة، حس منطق الرسول صلى الله عليه وسلم في خطابته، وأنه لم يكن يستعين فيها بسجع متكلف، ولا بلفظ غريب، فقد كان يكره اللونين جميعًا من الكلام؛ لما يدلان عليه من التكلف، وقد برأه الله تعالى منه، إذ يقول في كتابه العزيز على لسانه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.



