بين تكبيراتٍ تملأ الآفاق، ونفحاتٍ ربانية تطرق أبواب القلوب، يطل علينا عيد الأضحى المبارك كبلسمٍ يداوي الأرواح، ويجدد في النفوس بهجةً لا تشبهها بهجة.
يأتي العيد مكللًا بمهابة يوم عرفة؛ ذلك اليوم المشهود الذي فاضت فيه الأرض بالدعاء والرجاء، واهتزت فيه القلوب خشوعًا والأمة الإسلامية ترقب ملايين الحجاج وهم يقفون على صعيد عرفات الطاهر، في مشهدٍ مهيب تتوق إليه الأرواح، وتشتاق لتفاصيله القلوب عامًا بعد عام.
ومع بهجة العيد، تتجه القلوب قبل الكلمات بالتهنئة إلى سعداء الحظ الذين اصطفاهم الله هذا العام ليكونوا من ضيوف الرحمن، ويلبّوا النداء الذي طالما ردده المشتاقون بقلوبهم قبل ألسنتهم: «لبيك اللهم لبيك». فهنيئًا لمن أكرمهم الله بأداء الفريضة، ووفقهم للوقوف على صعيد عرفات، والطواف ببيته الحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والعيش في رحاب أيام مباركة لا تُشبه سواها؛ أيامٌ يمتزج فيها خشوع القلب بطمأنينة الروح، وتغتسل فيها النفس بسكينة لا توصف.
هنيئًا لمن عاش تلك الرحلة التي لا تُعد مجرد انتقالٍ من مكان إلى مكان، بل هي رحلة إيمانية تُعيد ترتيب الروح من الداخل، وتمنح القلب فرصة متجددة للصفاء، وتُشعر الإنسان بعظمة القرب من خالقه.
رحلةٌ يترك فيها الحاج خلفه صخب الحياة ومتاعبها، ويعود منها محملًا بالإيمان، مطمئن النفس، ممتنًا لهذه النعمة العظيمة، حاملًا في وجدانه ذكريات ستظل حية ما بقي العمر.
وفي المقابل، تبقى هناك قلوب ترنو إلى تلك المشاهد المباركة بعين الشوق، تتمنى أن يأتي اليوم الذي ترتدي فيه ثياب الإحرام، وتُردد التلبية من أعماقها، وتطوف حول الكعبة المشرفة، وتقف على أرض عرفات رافعةً أكف الدعاء بقلب ممتلئ بالأمل واليقين.
وما أجمل أن يبقى الأمل بالله حاضرًا؛ فكم من أمنية ظن أصحابها أنها بعيدة، ثم ساقها الله إليهم على هيئة دعوة صادقة، أو رجاء لم ينطفئ. فاللهم كما أكرمت عبادًا لك هذا العام بزيارة بيتك الحرام، أكرم كل قلب مشتاق، وكل روح تعلقت بالكعبة المشرفة، بأن تكون من ضيوف الرحمن في العام القادم.
اللهم ارزقهم الطواف ببيتك، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف على صعيد عرفات، وأجرِ على ألسنتهم التلبية، واكتب لهم من الفرح والسكينة ما يملأ قلوبهم، إنك على كل شيء قدير.
عيد أضحى مبارك وكل عام وأنتم بخير، أعاده الله علينا وعليكم بالأمن والإيمان، واليُمن والبركات.



