من بلاغة آيات الحج والعمرة فى القرآن الكريم 2

د. سلامة داود
د. سلامة داود

بقلم: د. سلامة داود رئيس جامعة الأزهر

استكمالًا لما سبق بيانه من لطائف الآيات فى المقال السابق، يظهر جانب بلاغي دقيق فى الفرق بين نفى الجناح بـ(لا) النافية للجنس وبـ(ليس). نُفِيَ الجناح فى آية الصفا والمروة بـ(لا) النافية للجنس، وفى آية إباحة التجارة فى الحج بـ(ليس)؛ لأن الطواف بالصفا والمروة ركن فى الحج والعمرة، فكان نفى الجناح عن فعله بـ(لا) النافية للجنس أنسب لمكانته فى الحج والعمرة؛ حتى لا يبقى فى النفوس من الطواف بهما شيء من الحرج، بل ينمحي جنس الحرج جملة ويزول دفعة.

اقرأ أيضا| من بلاغة آيات الحج والعمرة في القرآن الكريم (1)

وجيء بـ(ليس) فى آية التجارة؛ لأن التجارة عارض خارج عن جوهر الحج والعمرة، ليس من أركانهما؛ فلا تتأثر المناسك بوجوده أو انتفائه، كما أن التجارة ليست مباحة فى الحج على جهة الإطلاق والعموم، بل تُباح ما لم تشغل عنه.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ترغيب ورفع لمكانة هذين الجبلين بإثبات أنهما من شعائر الله، أي من مناسكه ومعالم دينه، فكانت هذه الجملة توطئة لرفع الجناح عن الطواف بهما.

ولم يرد هذا الترغيب والتوطئة قبل نفى الجناح عن التجارة فى الحج؛ لأن التجارة إذا كانت جائزة فى الحج فليست مما يُرغَّب فيه ويُوطَّأ له، بل الشأن فى الحج التفرغ له والإقبال بالكلية عليه، والتجارة استثناء من ذلك بشرط ألا تشغل عنه.

وحُذِفَ حرف الجر فى قوله: 
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ والتقدير: فى أن تبتغوا، وهذا الحرف ملتزم الحذف فى هذا الأسلوب إذا كان مجروره المصدر المؤول من "أنْ" والفعل المضارع، سواء كان النفى بـ(ليس) كما فى هذه الآية، أو بـ(لا) كما فى قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230]. فهذا حذف مطرد فى القرآن الكريم؛ لأن المعنى مفهوم مع الحذف، ومن سنن العرب أن يلتزموا الحذف إذا فُهِم المعنى.
كما حذفوا "لا" النافية من "أبرح"، واستشهد له ابن عقيل بقول امرئ القيس:
فقلتُ: يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا
ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
وتوسعوا فى حذف "لا" بعد القسم، كما فى قول عمر بن أبي ربيعة:
تاللهِ أنسى حبَّها حياتَنا
أو أُقبَرا
أي: لا أبرح قاعدًا، ولا أنسى حبها، والقرآن يخاطب العرب على سنن كلامهم.
وفى التعبير عن التجارة والكسب بقوله: ﴿فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ معانٍ كثيرة، منها: التركيز على أن الرزق والكسب فضل من ربنا وامتنان، وما السعي والكدح إلا سبب. ومنها: أن فضل ربنا يشمل كل أنواع الكسب الحلال من البيع والشراء والكِراء وغير ذلك من الحرف والصناعات، ولو قيل: ليس عليكم جناح أن تتاجروا أو تبيعوا أو تشتروا أو تُكْروا، لكان اللفظ قاصرًا عن الإحاطة بسبل الكسب، وهي كثيرة جدًا.
ومنها: الإشارة إلى تحري الحلال؛ لأن فضل ربنا لا يُنال بالحرام، ففيه دعوة إلى الإجمال فى الطلب، لا سيما فى موسم الحج.