منذ أيام قليلة هلّت علينا أفضل أيام العام، وهي العشرة الأولى من ذي الحجة التي خصها المولى عز وجل بأفضلية منفردة عن أيام العام كله، وجعل فيها من الخير والرحمة ما يدفع كثيرين إلى محاولة الاقتراب من الله أكثر بعد شهور طويلة أخذتهم فيها مشاغل الحياة وهمومها المتلاحقة.
ومع دخول هذه الأيام تتغير أشياء كثيرة عند الناس، فهناك من يحرص على زيادة في صلاة النوافل ، والبعض يكثر من الذكر وقراءة القرآن، والبعض يحاول إصلاح ما أفسدته الخلافات والانشغال وضيق الوقت، لأننا نعلم أن هذه الأيام فرصة جديدة يمنحها الله لعباده قبل أن تمضي السنة سريعًا بما فيها، خاصة يوم عرفة الذي يحمل مكانة عظيمة عند المسلمين لما فيه من رحمة ومغفرة واستجابة للدعاء.
وقد أقسم الله بها في كتابه الكريم حين قال: (والفجر وليال عشر) وهو قسم يكشف مكانة هذه الأيام وفضلها العظيم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام”، لذلك لا يرتبط فضلها بكثرة العمل فقط، وإنما بصدق النية والإخلاص في العبادة وحسن التعامل مع الناس، لأن الكلمة الطيبة صدقة، وصلة الرحم عبادة، والتخفيف عن الناس باب كبير من أبواب الخير التي قد تكون سببًا في رضا الله عن عبده.
كما أن هذه الأيام تفتح بابا واسعا للتسامح ومراجعة النفس، فكم من خصام طال بسبب العناد، وكم من قلوب ابتعدت عن بعضها وسط زحام الحياة، بينما يستطيع اعتذار صادق أو موقف طيب أن يعيد المودة من جديد.
ولهذا يحتاج الإنسان في هذه الأيام إلى أن يبتعد قليلًا عن القسوة والعصبية والانشغال الدائم، وأن يمنح قلبه فرصة للهدوء والطمأنينة، فرب دعوة صادقة تغيّر حال صاحبها، ورب عمل بسيط يرفعه الله بسبب إخلاص صاحبه وصدقه.
اللهم اجعل لنا في هذه الأيام المباركة نصيبًا من الرحمة والمغفرة وقبول الدعاء، واكتب لنا الخير والطمأنينة وصلاح الحال، ولا تجعل هذه الأيام تمر إلا وقد غفرت لنا ما مضى وكتبت لنا ما نتمنى.



