في حياتنا نلتقي أحيانا بأشخاص يتركون في نفوسنا أثرا كبيرا لا بسبب مكانتهم فقط بل لأننا نراهم بصورة تكاد تقترب من الكمال فننبهر بعقولهم وطريقة حديثهم وحضورهم وحكمتهم وثقافتهم وقدرتهم على التأثير فيمن حولهم فنرفعهم في داخلنا إلى منزلة عالية جدا حتى نظن أنهم مختلفون عن بقية البشر وأنهم أبعد من الأخطاء العادية والهفوات البسيطة ونبني داخلنا صورة مثالية لهم دون أن نشعر ومع مرور الوقت
يبدأ ذلك البريق في الهدوء شيئا فشيئا ليس لأن الشخص تغير بالكامل بل لأننا بدأنا نراه على حقيقته دون مبالغة او تضخيم فنكتشف أن وراء الحكمة لحظات تسرع وخلف العقل الواسع جوانب ضعف وأن الإنسان مهما بدا مميزا يبقى إنسانا يحمل النقص نفسه الذي نحمله جميعا لكن بدرجات مختلفة ونصدم أحيانا ليس لأن الحقيقة قاسية بل لأن الصورة التي صنعناها كانت أكبر من الواقع وهنا ندرك أن المشكلة لم تكن في الشخص وحده بل في توقعاتنا نحن وفي ميلنا إلى رفع الناس فوق حجمهم الحقيقي ولأننا نحب الصورة الكاملة اللامعة فيصعب علينا تقبل فكرة أن الإنسان قد يجمع بين الذكاء والخطأ وبين الحكمة والتناقض وبين القوة والضعف وبين الرقي وبعض العيوب العادية التي لا تلغي قيمته لكن الحقيقة إن الكمال ليس صفة بشرية وإن اكثر الناس تأثيرا قد تكون لديهم نقاط ضعف لا تظهر في البداية ولا ننتبه لها في لحظة الانبهار الأولى ..وربما لا يكون خفوت البريق امرا سيئا بل هومرحلة نضج تجعلنا نرى الناس بصورة أكثر اتزانا وهدوءا فنتعلم أن نراهم كما هم بشر يصيبون في أشياء ويخطئون في أخرى وعندها يصبح تقديرنا أكثر صدقا وواقعية لأنه قائم على الحقيقة لا على الانبهار المؤقت ونفهم أن خيبة الأمل ليست دائما في الأشخاص بل في الصور التي رسمناها لهم داخلنا ونفهم أيضاً أن الحكم على الناس من أول انبهار لا يحقق معرفة حقيقية وأن الوقت وحده كفيل بكشف توازن الصورة بين ما نراه وما هو موجود فعلا في الواقع لذلك لاتسقط الأشخاص من حياتنا بل الذي يسقط الصورة التي رسمناها لهم في خيالنا.



