الدراما وتصحيح المسار

د. محمد مختار جمعة
د. محمد مختار جمعة

بقلم: د. محمد مختار جمعة
الأستاذ بجامعة الأزهر

 

لا يستطيع أحد أن ينكر أثر الدراما فى تشكيل الوعي الجمعي إيجابا أو سلبا، بل إن تأثيرها يفوق تأثير كثير من عوامل بناء وتشكيل الوعي الأخرى، ومن ثمة كان اهتمام السيد رئيس الجمهورية وتوجيهه بأهمية إنتاج الدراما الهادفة، وهو توجيه يذكر فيشكر، ولاسيما أننا فى عالم مفتوح لم يعد أسلوب الحجب والمنع هو الأجدى فيه، وإن كان ذلك ضروريا  فى بعض الأحيان حين يتجاوز العمل خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها،  كأن يشكل خطرا على الأمن المجتمعي أو القومي أو ينال من قيم المجتمع الراسخة أو ثوابته الدينية أو الوطنية. 

اقرأ أيضا| الأسباب والمسببات
 

والأجدى هو سد الفراغ بتقديم نماذج هادفة، ذلك أن العمل غير السوي لا يشق طريقه إلا فى غياب الأعمال الهادفة التي تجمع بين نبل الهدف وجاذبية العرض . 
ومن خلال دراستي الأكاديمية المتخصصة فى مجال النقد الأدبي ومناقشتي مع بعض المعنيين بالعمل الفني بصفة عامة والدرامي بصفة خاصة أؤكد أننا نتفق على بعض الأمور، وتتعدد الرؤى فى بعضها الآخر ، فالذي نتفق عليه هو أن الشعر وعاء وأداة توصيل، وكذلك القصة والرواية والدراما، فمن حيث كون هذه الفنون وعاء لا أظن أن أحدا يمكن أن يماري فى أن هذا الوعاء يمكن أن يحمل الغث أو الثمين، ويمكن أن يكون أداة بناء أو أداة هدم ، والفيصل فيما يحمله هذا الوعاء من خير أو شر ، وما يسهم به من بناء أو هدم ، وأن تعميم الأحكام على الأداة أو الوعاء بالقبول المطلق أو الرفض المطلق  دون النظر إلى ما يحمله ويقدمه أمر غير منطقي.
أما مجال النقاش وتعدد الرؤى فيدورحول الغاية من هذه الفنون، فثمة مدارس أدبية ونقدية متعددة فى الشرق والغرب، ما بين من ينادي بالفن للفن قصد الإمتاع أو التسلية، ومن يرى أن دور الفن هو رصد الواقع كما هو دون تدخل فى المعالجة، باعتبار أن دور الفن هو تسليط الضوء على المشكلة وليس شرطا أن يعالجها، وقد يذهب بعضهم إلى إنهاء عمله الفني أحيانا بانتصار الشر باعتبار ذلك واقعا فى منظوره  هو على الأقل، ويرى أن تجميل الواقع قد ينال من حجم المشكلة ويهونها، وقد يسهم فى تفاقمها لا حلها ، بل إن بعض الكتّاب قد يلجأ إلى المبالغة فى عرض المشكلات ليكون العمل بمثابة صرخة مدوية أو جرس إنذار شديد الوضوح تجاهها. 
وهناك مدارس أخرى وبخاصة فى نظريات الأدب الإسلامي وكثير من المدارس ذات الطابع الإنساني ترى أن للفن غاية إنسانية وأخلاقية وترقى لأن تكون إصلاحية، ولا سيما عند الكاتب والفنان الذي يبتغي بفنه مرضاة ربه وخدمة وطنه وتقديم عمل إنساني عظيم، فكلما حمل العمل جانبا إنسانيا عاما ظل أعمق أثرا فى النفس وأطول عمرا فى الذاكرة وقابلا لتعدد العرض وامتداده لأزمان أطول وبيئات أوسع . 
ولا شك أنني لا أصادر على رأي أدبي أو نقدي أو فني إنما أطرح رؤية للحوار والنقاش، وأرى أنه كما أن على كل منا دورا  وطنيا ولا سيما وقت الأزمات فإن الفن شريك فى ذلك، فما أجمل أن يجتهد الكاتب والفنان من خلال معالجته فى تقديم إضاءة أو إشارة حول رؤيته للحل، وأن ينحاز إلى جانب الخير والحق والفضيلة ولو على سبيل الإشارة أو التلميح أو التضمين،  إيمانا منا بأن ما يتم استنتاجه بكد الذهن يكون أبعد أثرا فى النفس من الأساليب المباشرة التي لا يحتملها الفن ، وما أجمل أن ينأي بنفسه أيضا عما يمكن أن يشكل قدوة سلبية،  وأن يشير ولو إشارة ضمنية أو خفية إلى خطورة تلك النماذج السلبية أو السيئة مع بيان أن طريقها محفوف بالمخاطر وعواقبها وخيمة ومدمرة.
وختاما أؤكد أن فى حاجة ملحة إلى رؤى فكرية ونقدية تسهم بقوة فى تصحيح المسار وتخليصه مما علق ببعض الأعمال من مظاهر يمكن أن ترسخ ولو بغير قصد لنماذج سلبية كالبلطجة ونحوها .

 

ترشيحاتنا