العِلَلُ النَّحْوِيَّةُ وَالدَّلَالِيَّةُ لِعَلَامَةِ الوَقْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ

د. محمود هادي الشيخ
د. محمود هادي الشيخ

بقلم: د. محمود هادي الشيخ

المُقَدِّمَةُ 
يُعَدُّ عِلْمُ الوَقْفِ وَالاِبْتِدَاءِ مِعْيَارًا دَقِيقًا لِفَهْمِ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، حَيْثُ تَتَشَابَكُ فِيهِ المَعَانِي الإِعْرَابِيَّةُ مَعَ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنْ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ، نَقِفُ عَلَى ظَاهِرَةٍ تَعَدُّدِ الآرَاءِ فِي تَوْصِيفِ نَوْعِ الوَقْفِ، مَعَ اتِّفَاقِ لِجَانِ المَصَاحِفِ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الوَصْلِ، وَذَلِكَ لِعِلَلٍ لِسَانِيَّةٍ وَسِيَاقِيَّةٍ نَسْتَعْرِضُهَا فِي هَذَا المَقَالِ.

اقرأ أيضا| الْعِلَلُ النَّحْوِيَّةُ وَالدَّلالِيَّةُ لِعَلَامَةِ الْوَقْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

أَقْوَالُ عُلَمَاءِ الوَقْفِ وَعَلَامَتُهُ فِي المَصَاحِفِ
لَقَدْ تَنَاوَلَ أَئِمَّةُ هَذَا الفَنِّ مَوْضِعَ الوَقْفِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: *{إِلَهًا آخَرَ}*، وَجَاءَتْ تَقْدِيرَاتُهُمْ عَلَى النَّحْوِ الآتِي:
عَلَامَةُ المَصَاحِفِ:* اتَّفَقَتْ لِجَانُ المَصَاحِفِ الكُبْرَى (لَجْنَةُ خَلَفِ الحُسَيْنِيِّ، وَالمَعْصَرَاوِيِّ، وَعَبْدِ العَزِيزِ القَارِئِ، وَعَلِيٍّ الحُذَيْفِيِّ، وَعَبْدِ الكَرِيمِ صَالِحٍ) عَلَى وَضْعِ عَلَامَةِ *(صلى)*، وَهِيَ تَعْنِي أَنَّ الوَصْلَ أَوْلَى مَعَ جَوَازِ الوَقْفِ.
الإِمَامُ السَّجَاوَنْدِيُّ:* نَصَّ عَلَى أَنَّ الوَقْفَ هُنَا (ط) أَيْ: مُطْلَقٌ، وَهُوَ الوَقْفُ الذِي يَتِمُّ عِنْدَهُ مَعْنًى يُسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا بَعْدَهُ فِي بِنَاءِ الجُمْلَةِ.
الأَشْمُونِيُّ وَزَكَرِيَّا الأَنْصَارِيُّ:* ذَهَبَا إِلَى أَنَّ الوَقْفَ (كَافٍ)؛ لِانْقِطَاعِ اللَّفْظِ وَتَمَامِ الجُمْلَةِ النَّحْوِيَّةِ، مَعَ بَقَاءِ التَّعَلُّقِ الدَّلَالِيِّ بِالسِّيَاقِ.
الجَانِبُ الدَّلَالِيُّ وَالإِعْرَابِيُّ لِلْآيَةِ
الدَّلَالَةُ التَّفْسِيرِيَّةُ:* تَنْهَى الآيَةُ عَنْ الشِّرْكِ بِاللهِ بَعْدَ الأَمْرِ بِالفِرَارِ إِلَيْهِ، فَالخِطَابُ يَحْمِلُ نَهْيًا صَرِيحًا عَنْ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ، ثُمَّ يَعْقُبُهُ بَيَانٌ لِصِفَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ نَذِيرٌ جَاءَ لِيُحَذِّرَ مِنْ مَغَبَّةِ هَذَا الشِّرْكِ.
الإِعْرَابُ التَّفْصِيلِيُّ:
{وَلَا تَجْعَلُوا}:* (الوَاوُ) عَاطِفَةٌ، (لَا) نَاهِيَةٌ جَازِمَةٌ، (تَجْعَلُوا) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ، وَالوَاوُ فَاعِلٌ.
{مَعَ اللَّهِ}:* (مَعَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ، وَلَفْظُ الجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
{إِلَهًا آخَرَ}:* (إِلَهًا) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، (آخَرَ) صِفَةٌ مَنْصُوبَةٌ لَا تُنَوَّنُ لِلْوَصْفِيَّةِ وَوَزْنِ الفِعْلِ.
{إِنِّي لَكُم مِّنْهُ}:* (إِنَّ) حَرْفٌ نَاسِخٌ وَاليَاءُ اسْمُهَا، (لَكُمْ) وَ(مِنْهُ) جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقَانِ بِالخَبَرِ (نَذِيرٌ).
{نَذِيرٌ مُّبِينٌ}:* (نَذِيرٌ) خَبَرُ (إِنَّ) مَرْفُوعٌ، وَ(مُبِينٌ) صِفَةٌ لَهُ.
عِلَلُ تَرْجِيحِ الوَصْلِ (صلى)
يَتَرَجَّحُ الوَصْلُ عِنْدَ لِجَانِ المَصَاحِفِ بِنَاءً عَلَى مُسَوِّغَاتٍ بَنَوِيَّةٍ مَتِينَةٍ:
 1. عَوْدُ الضَّمِيرِ:* اِشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ التِي تَلِي الوَقْفَ عَلَى ضَمِيرِ الغَائِبِ فِي قَوْلِهِ *{مِنْهُ}، وَهَذَا الضَّمِيرُ يَعُودُ مُبَاشَرَةً عَلَى لَفْظِ الجَلَالَةِ *{اللَّهِ}** المَذْكُورِ فِي الجُمْلَةِ الأُولَى، وَوَصْلُ الكَلَامِ يُؤَدِّي إِلَى رَبْطِ الضَّمِيرِ بِمَرْجِعِهِ دُونَ فَاصِلٍ زَمَنِيٍّ طَوِيلٍ.
 2. اتِّصَالُ المَعْنَى (التَّعْلِيلُ):* جُمْلَةُ {إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} تَقَعُ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ، فَالنَّهْيُ عَنْ الشِّرْكِ سَبَبُهُ أَنَّ الرَّسُولَ مُنْذِرٌ بِعِقَابِ اللهِ، وَالتَّعْلِيلُ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي شِدَّةَ الاِرْتِبَاطِ بِمَا قَبْلَهُ.
 3. وَحْدَةُ الخِطَابِ وَالقَائِلِ:* الخِطَابُ فِي جُمْلَتَيِ (النَّهْيِ) وَ(الإِخْبَارِ) مُوَجَّهٌ إِلَى الفِئَةِ ذَاتِهَا، وَالمُتَحَدِّثُ هُنَا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُقْتَضَى أَمْرِ اللهِ لَهُ بِقَوْلِهِ "قُلْ"، مِمَّا يَجْعَلُ الكَلَامَ سِيَاقًا وَاحِدًا مُتَّصِلًا.
عِلَلُ جَوَازِ الوَقْفِ (الاِسْتِئْنَافُ)
رَغْمَ أَرْجَحِيَّةِ الوَصْلِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ عِلَلًا نَحْوِيَّةً جَعَلَتِ الوَقْفَ جَائِزًا (كَافِيًا أَوْ مُطْلَقًا):
الاسْتِئْنَافُ النَّحْوِيُّ:* كَسْرُ هَمْزَةِ (إِنَّ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى *{إِنِّي لَكُم}* يُشِيرُ إِلَى بِدَايَةِ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ إِعْرَابِيًّا (جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ)، وَهِيَ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى جَوَازِ القَطْعِ.
اخْتِلَافُ نَوْعِ الجُمْلَتَيْنِ:* انْتَهَتِ الجُمْلَةُ الأُولَى بِأُسْلُوبِ النَّهْيِ (إِنْشَاءٌ)، وَبَدَأَتِ الثَّانِيَةُ بِأُسْلُوبِ الخَبَرِ، وَاخْتِلَافُ مَقَامِ الكَلَامِ مِنْ الإِنْشَاءِ إِلَى الخَبَرِ يُسَوِّغُ الوَقْفَ لِإِظْهَارِ التَّنَوُّعِ الأُسْلُوبِيِّ.
التَّعْقِيبُ الخِتَامِيُّ
نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ اخْتِلَافَ العُلَمَاءِ فِي تَوْصِيفِ الوَقْفِ بَيْنَ "مُطْلَقٍ" وَ"كَافٍ" هُوَ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ يَنْبُعُ مِنْ مَدَى اعْتِبَارِ الاِسْتِقْلَالِ النَّحْوِيِّ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِئْنَافِيَّةِ. لَكِنَّ الرَّأْيَ الذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ لِجَانُ المَصَاحِفِ بِوَضْعِ عَلَامَةِ *(صلى)* هُوَ الأَوْفَقُ لِتَحْقِيقِ التَّمَاسُكِ الدَّلَالِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ صِحَّةِ الوَقْفِ نَحْوِيًّا وَجَمَالِ الوَصْلِ بَلَاغِيًّا، حَيْثُ يَتَّصِلُ التَّحْذِيرُ بِمُوجِبِهِ، وَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى مَرْجِعِهِ فِي نَسَقٍ بَدِيعٍ.