بقلم: د. محمود هادي الشيخ
تُعَدُّ دِرَاسَاتُ "الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ" مِنْ أَجَلِّ عُلُومِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَأَنْفَسِهَا، فَهِيَ الْعِلْمُ الَّذِي يَعْصِمُ الْقَارِئَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي خَلَلِ الْمَعْنَى، وَيَفْتَحُ لِلْبَاحِثِ آفَاقَ التَّدَبُّرِ فِي مَقَاصِدِ النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ الْمُعْجِزِ. وَفِي سُورَةِ (الذَّارِيَاتِ)، تَقِفُ بِنَا الآيَةُ الْخَمْسُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، لِتَكُونَ مَحَلًّا لِدِرَاسَةٍ لُغَوِيَّةٍ وَعَقَدِيَّةٍ رَصِينَةٍ، حَيْثُ تَتَجَلَّى فِيهَا دِقَّةُ الِاخْتِيَارِ فِي عَلَامَاتِ الْمَصَاحِفِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْعِلَلِ النَّحْوِيَّةِ وَالرَّوَابِطِ الدَّلَالِيَّةِ.
اقرأ أيضا| العِلَلُ النَّحْوِيَّةُ وَالدَّلَالِيَّةُ لِعَلَامَةِ الوَقْفِ (صلى) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾
أوَّلًا: الْجَانِبُ الدَّلَالِيُّ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ*
يَأْمُرُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِـ "الْفِرَارِ"، وَهُوَ لَفْظٌ يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ الْحَرَكَةِ إِلَى مَعْنَى السُّرْعَةِ الْقُصْوَى وَالِالْتِجَاءِ الصَّادِقِ. فَالْفِرَارُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْهَرَبُ مِنَ الْمَخُوفِ إِلَى الْمَأْمَنِ، وَفِي السِّياقِ الْقُرْآنِيِّ هُوَ فِرَارٌ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِلَى رَحْمَتِهِ، وَمِنْ مَعْصِيَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَمِنَ الْجَهْلِ بِهِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
إِنَّ هَذَا الْفِرَارَ لَيْسَ اِنْهِيَازًا عَنِ الْوَاقِعِ، بَلْ هُوَ تَوَجُّهٌ كُلِّيٌّ نَحْوَ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا يُبْعِدُ الْعَبْدَ عَنْ رَبِّهِ. وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ جُمْلَةَ ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ هِيَ جُمْلَةٌ طَلَبِيَّةٌ تَمَّتْ فِيهَا أَرْكَانُ الْأَمْرِ، لَكِنَّهَا بَقِيَتْ مُعَلَّقَةً بِالسَّبَبِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدَهَا، وَهُوَ الْإِنْذَارُ النَّبَوِيُّ.
ثَانِيًا: التَّوْجِيهُ الْإِعْرَابِيُّ وَأَثَرُهُ فِي الْوَقْفِ*
عِنْدَ تَشْرِيحِ الآيَةِ نَحْوِيًّا، نَجِدُ تَفَاصِيلَ تُسَوِّغُ لَنَا كُلًّا مِنَ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ:
(فَفِرُّوا): الْفَاءُ إِمَّا اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِبَدْءِ كَلَامٍ جَدِيدٍ، وَإِمَّا رَابِطَةٌ لِجَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ (أَيْ: إِذَا عَلِمْتُمْ صِدْقَ مَا سَبَقَ فَفِرُّوا). وَالْفِعْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَالْوَاوُ فَاعِلٌ.
(إِلَى اللَّهِ): جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ هُنَا مِنْ حَيْثُ الصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ.
(إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ): جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُصَدَّرَةٌ بِنَاسِخٍ، وَكَسْرُ هَمْزَةِ "إِنَّ" هُنَا يُعَدُّ قَرِينَةً لُغَوِيَّةً عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، مِمَّا يَقْوَى مَعَهُ جَوَازُ الْوَقْفِ.
(نَذِيرٌ مُبِينٌ): خَبَرُ "إِنَّ" وَصِفَتُهُ، وَهِيَ جُمْلَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ لِأَنَّهَا اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ يُوضِحُ عِلَّةَ الْأَمْرِ السَّابِقِ.
ثَالِثًا: آرَاءُ أَعْلَامِ الْوَقْفِ فِي الْمَوْضِعِ*
لَمْ يَكُنْ عُلَمَاءُ الْأَدَاءِ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذِهِ اللَّطَائِفِ، فَقَدْ جَاءَتْ تَقْدِيرَاتُهُمْ كَالْآتِي:
1. *الْإِمَامُ السَّجَاوَنْدِيُّ:* جَعَلَ عَلَيْهَا عَلَامَةَ (ط)، أَيْ وَقْفٌ مُطْلَقٌ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْبَدْءَ بِمَا بَعْدَهُ حَسَنٌ، لِاسْتِقْلَالِ الْجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ عَنِ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ لَفْظًا.
2. *الْإِمَامُ الْأَشْمُونِيُّ:* وَصَفَهُ بِأَنَّهُ "وَقْفٌ كَافٍ"، وَالْكَافِي هُوَ الَّذِي يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ، لِتَمَامِ اللَّفْظِ وَتَعَلُّقِ الْمَعْنَى.
رَابِعًا: عِلَلُ تَرْجِيحِ الْوَصْلِ (عَلَامَةُ صلى)*
اتَّفَقَتْ لِجَانُ الْمَصَاحِفِ الْخَمْسَةِ الْكُبْرَى (خَلَفُ الْحُسَيْنِيِّ، الْمَعْصَرَاوِيُّ، عَبْدُ الْعَزِيزِ الْقَارِئِ، الْحُذَيْفِيُّ، عَبْدُ الْكَرِيمِ صَالِحٌ) عَلَى وَضْعِ عَلَامَةِ *(صلى)*، وَهِيَ الَّتِي تُفِيدُ أَنَّ "الْوَصْلَ أَوْلَى" مَعَ جَوَازِ الْوَقْفِ. وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ يَقُومُ عَلَى دَعَائِمَ ثَلَاثٍ:
1. عِلَّةُ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ:*
إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مِنْهُ﴾ بَعْدَ مَوْضِعِ الْوَقْفِ يَحْتَوِي عَلَى ضَمِيرِ الْغَائِبِ، وَهَذَا الضَّمِيرُ يَعُودُ نَصًّا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ ﴿اللَّهِ﴾ الْمَذْكُورِ قَبْلَ الْوَقْفِ. وَفِي قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ، يُفَضَّلُ وَصْلُ الضَّمِيرِ بِمَرْجِعِهِ لِتَحْقِيقِ الِاتِّصَالِ الذِّهْنِيِّ لَدَى السَّامِعِ، فَلَا يَنْفَصِلُ الْمُنْذِرُ عَمَّنْ يُنْذِرُ عَنْهُ.
2. عِلَّةُ الِاتِّصَالِ الدَّلَالِيِّ وَالتَّعْلِيلِ:*
جُمْلَةُ ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَيْسَتْ كَلَامًا مَقْطُوعًا، بَلْ هِيَ "تَعْلِيلٌ" لِلْأَمْرِ بِالْفِرَارِ. وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ مَعْلُولِهَا؛ فَالسَّبَبُ فِي وُجُوبِ الْفِرَارِ إِلَى اللَّهِ هُوَ حَصُولُ الْإِنْذَارِ مِنْ عِقَابِهِ. فَالْوَصْلُ هُنَا يُظْهِرُ السَّبَبِيَّةَ وَالْمَنْطِقَ الدَّلَالِيَّ لِلْآيَةِ بِأَبْهَى صُوَرِهِ.
3. عِلَّةُ وَحْدَةِ السِّياقِ وَالْخِطَابِ:*
السِّياقُ وَاحِدٌ، وَالْمُتَكَلِّمُ هُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ، وَالْمُخَاطَبُ هُمُ الْخَلْقُ. هَذِهِ الْوَحْدَةُ فِي الْخِطَابِ تَجْعَلُ مِنَ الْآيَةِ كُتْلَةً وَاحِدَةً، الْوَصْلُ فِيهَا يُعَزِّزُ قُوَّةَ الْبَيَانِ وَتَمَاسُكَ النَّظْمِ.
خَامِسًا: التَّعْقِيبُ وَالْخُلَاصَةُ*
إِنَّ اخْتِيَارَ عَلَامَةِ *(صلى)* فِي الْمَصَاحِفِ هُوَ اخْتِيَارٌ يَتَّسِمُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ "الْقَاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ" الَّتِي تُجِيزُ الْوَقْفَ لِتَمَامِ الْجُمْلَةِ، وَبَيْنَ "اللَّطِيفَةِ الْبَلَاغِيَّةِ" الَّتِي تُرَجِّحُ الْوَصْلَ لِاتِّصَالِ الْمَعْنَى.
وَنَحْنُ إِذْ نُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ لِجَانُ الْمَصَاحِفِ، نَرَى أَنَّ الْوَصْلَ يَمْنَحُ الْآيَةَ تَدَفُّقًا شُعُورِيًّا يُنَاسِبُ مَقَامَ "الْفِرَارِ"؛ فَكَمَا أَنَّ الْفِرَارَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوَقُّفَ، فَإِنَّ وَصْلَ الْأَمْرِ بِسَبَبِهِ يَجْعَلُ التَّحْذِيرَ أَكْثَرَ وَقْعًا فِي النُّفُوسِ. هَكَذَا يَتَجَلَّى لَنَا أَنَّ عِلْمَ الْوَقْفِ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوَاعِدَ صَمَّاءَ، بَلْ هُوَ فَهْمٌ عَمِيقٌ لِأَسْرَارِ الْقُرْآنِ، يَتَعَانَقُ فِيهِ الْإِعْرَابُ مَعَ الدَّلَالَةِ لِيَرْسُمَا لِلْقَارِئِ طَرِيقَ الْفَهْمِ السَّلِيمِ.



