بقلم: د. رهام سلامة
مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف
حين نتحدث عن العنف، فإننا لا نقصد مجرد سلوك فردي عابر، بل منظومة من الممارسات والأفكار التي تُنتج الإيذاء وتُبرره أحيانًا، سواء كان هذا الإيذاء جسديًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا. والعنف فى جوهره هو استخدام القوة أو التهديد بها لإخضاع الآخر أو السيطرة عليه، فى انتهاكٍ واضحٍ لكرامته الإنسانية وحقوقه الأساسية.
اقرأ أيضا| لم تعد قضية… بل صانعة قضية: المرأة في قلب المشهد الفكري!
ومن موقعي كمديرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، لا أتعامل مع العنف بوصفه ظاهرة منفصلة، بل باعتباره أحد أبرز تجليات الفكر المتطرف ومخرجاته المباشرة. فالتطرف لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ بفكرة تُقصي الآخر، وتُبرر الاعتداء عليه، ثم تتحول هذه الفكرة إلى سلوك عنيف فى المجتمع.
من هنا، يصبح الحديث عن العنف — خاصة العنف ضد المرأة — ضرورة فكرية ومجتمعية، لأنه يكشف عن أنماط من التطرف قد لا تبدو فى صورتها الصريحة، لكنها تتجلى فى ممارسات يومية تُهدد تماسك المجتمع وأمنه الإنساني.
فى المقال السابق تحدثنا عن تعريف العنف كمدخل لتعريف العنف ضد المرأة وبعض النظريات المفسرة له. ومن تلك التعريفات والتفسيرات سنستعرض فى مقال اليوم أنواع العنف ضد المرأة، حسب مكان حدوثه والقائم به، والذي ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة، هي:
العنف المجتمعي: أي العنف الواقع داخل المجتمع عمومًا، سواء فى صورة تحرش أو مضايقات جنسية فى أماكن العمل المختلفة، أو التمييز ضد المرأة فى العمل والحيلولة دون تقلدها المناصب الإدارية العليا. كذلك الإتجار بهن، أو إساءة الظن بهن وربط سوء الظن هذا بالحالة الاجتماعية لهن، ووصمهن بما ليس فيهن. كما يُعد الاغتصاب من صور العنف المجتمعي تجاه المرأة.
والعنف الزوجي: هو عنف الزوج أو الشريك، إذ يستخدم (باعتباره الطرف الأقوى فى هذه الحالة) نمطًا من أنماط السلوك العدواني لتحقيق أهدافه وأغراضه الخاصة، شاملةً كل أنواع العنف (الجسدي أو المعنوي أو اللفظي).
والعنف الأسري: يختلف عن العنف الزوجي فى أنه يشمل جميع أشكال العنف الممارس ضد المرأة من الفرد الأقوى من أفراد الأسرة؛ سواء كان أحد الأبوين، أو الأخ، أو الزوج، أو الأخت، أو أي فرد من أفراد الأسرة تجاه فرد آخر.
أما العنف طبقًا للأثر الناجم عنه فينقسم إلى أنواع عدة، منها:
العنف المعنوي والنفسي: والذي يُعد الأكثر خطورة؛ لأنه عنف غير ملموس لكنه يُمارَس بشكل مباشر على المرأة، ما يجعل آثاره سلبية ومدمرة على الصحة النفسية، خاصة أنه يتسبب فى شعورها بالتهديد وانعدام الأمان وعدم الاطمئنان. ويشمل هذا النمط أي فعل يمس عواطف المرأة ويتسبب فى إيذائها نفسيًا. وينتج عنه آثار منها: تحقير المرأة، والتقليل من مكانتها، وإشعارها بالدونية، أو إهمالها وعدم الاهتمام بها، أو هجرها وممارسة الضغوط النفسية عليها. ويدخل فى صوره أيضًا سب المرأة، أو إكراهها على التصوير والتعري ومشاهدة الأفلام الإباحية، وتشكيكها فى نفسها واللعب على نفسيتها بجعلها تعتقد أنها مريضة جسمانيًا أو نفسيًا.
العنف الجسدي والجنسي: يعني العنف الجسدي استخدام القوة الجسدية ضد المرأة بالشكل الذي يلحق بها الأذى والضرر الجسدي. وتقرر بعض الدراسات أن هذا النوع من العنف هو الأكثر انتشارًا، فنحو ٨٥٪ من إساءة معاملة الزوجة تندرج تحت مظلته. لذا يمكن القول إن العنف الجسدي يدل على الإيذاء الجسدي للمرأة من فرد أو مجموعة من الأفراد فى محيط أسرتها أو خارجها بهدف إلحاق الضرر بها. ويتضمن ذلك صورًا كثيرة تبدأ من الضرب المبرح والتعذيب وتنتهي بالقتل، وقد يتزامن مع أنواع أخرى من العنف النفسي والجنسي وغيرهما.



