بقلم: د. رهام سلامة
مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف
لم يكن صعود المرأة إلى فضاءات الفكر حدثًا عابرًا في سجل التحولات الاجتماعية، ولا مجرد استجابة ظرفية لمطالب المساواة، بل كان انعكاسًا لتحول عميق في بنية الوعي الإنساني ذاته. فحين تتحرك المرأة من الهامش إلى مركز التأثير، لا يتغير موقعها وحده، بل تتغير طبيعة الأسئلة المطروحة، وتتسع دوائر الفهم، ويُعاد تشكيل الخطاب الفكري بما يجعله أكثر شمولًا وعدلًا.
لقد أدرك العالم، عبر مسار طويل من التجربة والمراجعة، أن تغييب صوت المرأة لم يكن مجرد غياب فردي، بل فقدانًا لزاوية رؤية كاملة من زوايا المعرفة الإنسانية. ومن هنا بدأت رحلة التحول، لا باعتبار المرأة قضية تُناقش، بل باعتبارها عقلًا مفكرًا قادرًا على الإسهام في بناء الوعي، وصياغة الرؤى، والمشاركة في قراءة الواقع واستشراف المستقبل.
لم يكن وجود المرأة في هامش المشهد الفكري دليلًا على محدودية قدراتها، ولا انعكاسًا لعجز في طاقاتها الذهنية، بل كان نتيجة مباشرة لضيق المساحات المتاحة لها، واختلال موازين التمثيل داخل البنية الفكرية والاجتماعية. فالهامش، في كثير من الأحيان، لم يكن وصفًا لقدرة المرأة، بل وصفًا لمقدار ما أُتيح لها من فرص.
لقد عاشت المرأة طويلًا داخل إطار معرفي صاغته رؤية "الآخر"، فحدَّد لها موضوع التفكير، ورسم لها حدود القول، وأحاط حضورها بقيود غير مرئية، جعلت مشاركتها تبدو استثناءً لا أصلًا. ومع ذلك، لم يتوقف العقل النسائي عن العمل، ولم تتوقف محاولات الفهم والتأمل، بل ظلَّت المرأة تفكر وتنتج داخل مساحات ضيقة، تنتظر لحظة الاعتراف التي تعيد لها موقعها الطبيعي في دائرة التأثير.
على امتداد قرون طويلة، ظلَّ الخطاب الفكري في كثير من بيئاته يُصاغ بصوتٍ واحد، صوتٍ يختزل التجربة الإنسانية في نصفها، ويعيد قراءة قضايا المجتمع من زاوية محدودة. وفي ظل هذا السياق، لم تكن المرأة غائبة عن التفكير أو عاجزة عن الإبداع، بل كانت غائبة عن الاعتراف المؤسسي والمعرفي.
لقد كتبت المرأة، وعلَّمت، وناقشت، وأسهمت في بناء المعرفة، ولكن خارج دوائر الضوء، حيث لم يُنسب إليها كثير من إنتاجها، ولم تُسجَّل مساهماتها كما ينبغي. وكان غياب الاعتراف هذا سببًا في تشويه الصورة الكاملة للفكر الإنساني؛ لأن المعرفة التي تُبنى على صوت واحد تظل معرفة ناقصة، مهما بلغت قوتها الظاهرية.
ومع بدايات التحولات الكبرى التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، بدأت بنية الوعي تتغير، وظهرت أسئلة جديدة تتطلب رؤى متعددة، لا إجابات أحادية. لقد أدركت المجتمعات أن التحديات المعاصرة — من التحولات الثقافية إلى التعقيدات الاجتماعية — لا يمكن التعامل معها بعقل منفرد أو تجربة واحدة.
في هذا السياق، بدأت المرأة تستعيد حضورها الطبيعي بوصفها ذاتًا مفكرة، تمتلك القدرة على التحليل والمراجعة وإنتاج الأسئلة الكبرى. ولم يعد وجودها في ساحات الفكر والثقافة استجابة لنداءات عابرة، بل أصبح ضرورة معرفية تفرضها طبيعة المرحلة، وتفرضها الحاجة إلى رؤية أكثر اتساعًا وتوازنًا.
إذا كانت المرأة في مراحل سابقة تُقدَّم بوصفها "قضية" تحتاج إلى من يدافع عنها أو يتحدث باسمها، فإن التحول الحقيقي حدث حين أصبحت المرأة ذاتها صانعة للقضية، ومولِّدة للسؤال، ومشاركة في صياغة الإجابة.
لم يعد دورها مقتصرًا على الدفاع عن حقوقها أو إثبات جدارتها، بل تجاوز ذلك إلى الإسهام في تشكيل القضايا الكبرى التي تمس المجتمع بأسره. فقد دخلت المرأة إلى ساحات التفكير في موضوعات الهوية، والعدالة، والتنمية، والثقافة، وأسهمت في تقديم رؤى جديدة تعكس تجارب متعددة، وتثري النقاشات الفكرية بعمق إنساني أوسع.
إن حضور المرأة في مواقع العمل والمؤسسات لا يُعد في ذاته دليلًا كافيًا على التمكين، ما لم يقترن بامتلاك أدوات المعرفة، ومهارات التحليل، والقدرة على إنتاج خطاب فكري رصين. فالتمكين الحقيقي لا يُقاس بعدد المواقع التي تشغلها المرأة، بل بمدى قدرتها على التأثير الفكري وصناعة القرار.
ولهذا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم التمكين الشكلي، الذي يكتفي بإتاحة الفرص الظاهرية، إلى التمكين المعرفي الحقيقي، الذي يقوم على بناء العقل، وتنمية أدوات التفكير، وتعزيز مهارات الاجتهاد والبحث. فالمعرفة هي السلاح الأعمق، وهي الضمان الحقيقي لاستمرار التأثير وتحقيق الحضور الفاعل.
إن الحضور المتزايد للمرأة في الجامعات، ومراكز البحث، والمنصات الفكرية، والمؤسسات الحكومية، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر نضجًا ومسؤولية. فالدخول إلى مواقع التأثير لا يعني الوصول إلى الغاية، بل يعني بدء مرحلة جديدة من العمل الواعي والإسهام المستمر.
لقد تحوَّل السؤال اليوم من: "هل تستطيع المرأة أن تُنتج الفكر؟" إلى سؤال أكثر عمقًا: "كيف يمكن توظيف هذا الحضور الفكري لتعزيز جودة الخطاب، وتوسيع آفاقه، وجعله أكثر اتصالًا بالواقع؟". إنها مرحلة تتطلب وعيًا بالمسؤولية، وإدراكًا بأن التأثير الحقيقي لا يتحقق بالحضور فقط، بل بقدرة هذا الحضور على صناعة الفارق.
إن حضور المرأة في المشهد الفكري اليوم لم يعد حالة استثنائية تستدعي التفسير، بل أصبح جزءًا أصيلًا من حركة الوعي الإنساني. فالعالم الذي تتسارع فيه التحولات، وتتزايد فيه التحديات، لا يمكن أن يُدار بعقل واحد، ولا أن يُفهم من زاوية واحدة.
وإذا كانت رحلة المرأة من الهامش إلى مركز التأثير قد استغرقت زمنًا طويلًا من الصبر والعمل، فإن المرحلة القادمة تتطلب وعيًا أعمق بمسؤولية التأثير، لا مجرد تحقيق الحضور. فالقضية لم تعد إثبات قدرة، بل استثمار طاقة، ولم تعد معركة وجود، بل مسؤولية بناء.
وحين تتكامل العقول، وتتعدد الرؤى، ويُفسح المجال لكل طاقة فكرية أن تُعبِّر عن ذاتها، يصبح الفكر أكثر نضجًا، ويغدو المجتمع أكثر قدرة على بناء مستقبل يقوم على التوازن، ويؤمن بأن الشراكة هي الأصل لا الاستثناء.



