تاريخ يجمع بين التصوف والفلكلور والاقتصاد

الموالــد .. تراث حى يعبر عن روح المجتمع

الموالــد صورة ارشيفية
الموالــد صورة ارشيفية

الموالد الشعبية ليست مجرد احتفالات عابرة تُقام فى مواسم محددة، بل هي واحدة من أعمق الظواهر التي تكشف روح المجتمع المصري فى حالته الأكثر صدقًا وعفوية. هناك، فى قلب الزحام، حيث تختلط أصوات الذكر بضحكات الأطفال، وتتجاور خيام الدراويش مع باعة الحلوى والمراجيح، تتجسد مصر كما هي: متعددة، نابضة، وقادرة على الجمع بين المتناقضات فى مشهد واحد.


وعلى امتداد التاريخ، لم تكن الموالد طقسًا دينيًا فحسب، بل كانت مساحة مفتوحة يعيد فىها الناس تعريف علاقتهم بالحياة؛ يهربون من قسوة الواقع إلى رحابة الروح، ويصنعون لأنفسهم عالمًا مؤقتًا تسقط فىه الفوارق، وتُعاد فىه صياغة القيم على نحو أكثر إنسانية وبساطة. هنا، يتحول «المولد» إلى ما يشبه الوطن الصغير؛ مكانًا يحتضن الجميع دون شروط، ويمنحهم لحظة نادرة من التوازن بين الجسد والروح.


ورغم هذا الثراء، لم تسلم الموالد من الجدل؛ بين من يراها تراثًا حيًا يستحق الحماية، ومن يراها بحاجة إلى ضبط وتقويم، تظل الحقيقة أكثر تعقيدًا من أي حكمٍ قاطع. فهي ظاهرة تتجاوز التصنيفات الجاهزة، وتفرض نفسها كواقع اجتماعي وثقافى لا يمكن تجاهله أو اختزاله.
هذا الملف لا يكتفى برصد المشهد، بل يحاول تفكيكه وفهمه من الداخل؛ كيف نشأت الموالد؟ ولماذا استمرت؟ وكيف تحولت إلى واحدة من أهم أدوات التعبير الشعبي؟ وبين صوت المداح، وحكايات الكرامات، وحركة الأسواق، نقترب من الإجابة… ونقرأ مصر من زاوية مختلفة.

 

الأوقاف: ضوابط ومعايير واضحة للموالد

وحول الضوابط والمحددات والمعايير التي تضعها وزارة الأوقاف لإقامة الموالد فقد أكد د. أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف، أن الموالد الشعبية والاحتفالات الدينية تندرج تحت الضوابط العامة التي تقررها الوزارة للحفاظ على قدسية المساجد وهيبتها، مشددًا على أن بيوت الله لها حرمة ومكانة تستوجب الانضباط التام فى جميع الأنشطة التي تُقام بداخلها أو فى محيطها.

اقرأ أيضا| احتفال كبير بساحات العارف بالله احتفالًا بمولده في سوهاج

وأوضح «رسلان» أن الوزارة حددت مجموعة من الضوابط الأساسية التي ينبغي على مريدي بيوت الله ومحبي آل البيت مراعاتها خلال هذه المناسبات، ومن أبرزها: حفظ حرمة المكان لأن المسجد هو موضع السكينة والوقار، ويجب تجنب الضوضاء أو الصخب المفرط والأصوات العالية التي قد تؤذي المصلين وتذهب بخشوعهم.
مع ضرورة مراعاة الآداب العامة فى الاختلاط، وتنظيم الأماكن بما يحقق الستر والانضباط التام. والحفاظ على نظافة بيوت الله فىمنع منعًا باتًا إدخال الأطعمة أو المشروبات التي قد تؤدي إلى اتساخ المكان، التزامًا بقوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ). والتأكيد على إعلاء الشعائر الأساسية بما لا تؤثر أي احتفالات على إقامة الصلوات المفروضة، أو حلقات العلم، أو تلاوة القرآن الكريم.
وكل ذلك بالالتزام بالنظام العام واتباع التوجيهات الرسمية وتعليمات الجهات المسؤولة لضمان خروج الاحتفالات بمظهر حضاري.
وأشار د. رسلان  إلى أن د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف قدّم نموذجًا عمليًا للقدوة السلوكية خلال زيارته الأخيرة لمولد «سيدي أحمد البدوي»؛ حيث جسّد المعنى الحقيقي للاحتفال الديني المنضبط، من خلال لقاء الناس، والجلوس فى ذكر الله، والدعاء، والترحم على الأولياء الصالحين فى أجواء ملؤها الأدب والسكينة.
واختتم رسلان تصريحه بدعوة الجميع إلى الاقتداء بهذا السلوك القويم، مؤكدًا أن الوزارة لن تدخر جهدًا فى رعاية هذه المناسبات بما يحفظ للمساجد قدسيتها وللمجتمع قيمه وأخلاقه.

الطرق الصوفية:نتبرأ من السلوكيات الدخيلة المبتذلة

يؤكد أحمد قنديل، المتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى للطرق الصوفىة، أن المشيخة العامة تضع ضوابط صارمة وحاسمة لتنظيم احتفالات الموالد الشعبية فى مصر، مشددًا على أن التصوف يرتكز على «الكتاب والسنة» وينبذ كل ما يخالف الآداب العامة أو صحيح الدين.
وأضاف بقوله: «إن احتفالات الموالد هي مواسم للطاعة والذكر وإطعام الطعام، وليست مجرد تجمعات شعبية، ولذلك فإن المجلس الأعلى للطرق الصوفىة يلزم جميع الطرق والجهات المنظمة بمجموعة من الإجراءات التنفىذية والضوابط المنهجية لضمان خروج هذه المناسبات بالشكل الحضاري والروحي اللائق». وأوضح أن أي احتفال بمولد يخضع لرقابة وإشراف مباشر من المشيخة العامة، وتتمثل الإجراءات فى: إصدار التراخيص المسبقة، حيث لا يُسمح بإقامة أي «سرادق» أو «خدمة» إلا بموافقة كتابية من المشيخة العامة وتنسيق كامل مع وزارتي الداخلية والأوقاف. والمتابعة الميدانية بتكليف "وكلاء المشيخة" فى المحافظات بمتابعة الالتزام بالخريطة الزمنية للاحتفال والمساحات المخصصة لكل طريقة، لمنع العشوائية أو التكدس.
والعمل على حظر التبرعات غير الرسمية منعًا باتًا لجمع أي تبرعات مالية داخل الخيام أو حول الأضرحة خارج إطار الصناديق الرسمية التابعة لوزارة الأوقاف أو إيصالات المشيخة المعتمدة.
 المنهج الدعوي والروحاني (الالتزامات)
جوهر التصوف الحقيقي
وأشار قنديل إلى أن الموالد يجب أن تلتزم بجوهر التصوف الحقيقي من خلال عقد مجالس العلم والذكر مع إلزام الطرق بتخصيص وقت للدروس الدينية التي تتناول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  وأخلاق آل البيت والصحابة، بعيدًا عن الغلو. وكذلك الالتزام بالأوراد الشرعية على أن يكون الذكر والإنشاد بكلمات وقورة وألحان روحانية تليق بقدسية المساجد، مع الالتزام بالزي الصوفى المهذب. بالإضافة إلى الخدمة المجتمعية التي تأتي للتأكيد على دور «الخدمات» فى إطعام الفقراء وعابري السبيل كعمل خيري أصيل يجسد روح التكافل.
سلوكيات مبتذلة دخيلة
وشدد أحمد قنديل، على أن المشيخة تتبرأ تمامًا من أي سلوكيات دخيلة تشوه صورة التصوف، مؤكدًا أن المجلس سيواجه بحزم أي خروج عن النص، وخاصةً؛ حيث يرفض المجلس تمامًا ما يسمى بـ «خوارق العادات» المبتذلة مثل أكل الزجاج أو النار أو ضرب الأجسام بآلات حادة، ويعتبرها ممارسات لا تمت للتصوف بصلة. وكذلك الاختلاط غير اللائق والتدخين داخل الخيام، وخاصة فى محيط أماكن الذكر، ويُمنع وجود «المجاذيب» الذين يأتون بأفعال تنافى الوقار. مع الرفض التام للموسيقى الصاخبة والرقص وتحويل حلقات الذكر إلى ساحات للرقص المبتذل أو استخدام آلات موسيقية لا تتناسب مع جلال بيوت الله. واختتم قنديل "إن رسالة التصوف هي رسالة حب وسلام وانضباط، ونحن نفتح أبوابنا للجميع للاحتفال بذكرى آل البيت والأولياء، ولكن تحت سقف القانون والشرع والأخلاق المصرية الأصيلة."


د. سعيد المصري : 
يتحرر فيها الإنسان من القيود .. ويستعيد توازنه  


ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تمثل الموالد مساحة تفاعل معقدة بين السلطة والمجتمع، حيث تسعى الجهات الرسمية إلى ضبطها وتنظيمها، بينما يتمسك الجمهور بطابعها العفوي وتقاليدها المتوارثة. وفى هذا التوتر الخفى، تتجلى الموالد كأحد أشكال «المقاومة الصامتة». ويرى د. سعيد المصري، أن الموالد تمثل تعبيرًا حيًا عن الهوية المصرية، وملاذًا شعبيًا فى مواجهة التشدد أو الذوبان الثقافى. فهي مساحة يتحرر فىها الإنسان من القيود الصارمة، ويستعيد توازنه بين الجسد والروح، بعيدًا عن الرقابة الأيديولوجية، فى حالة من التصالح الداخلي العميق.
الموالد… الشبكة الاجتماعية الأولى
وفى ضوء التحولات الرقمية، أعاد الباحثون قراءة الموالد باعتبارها الشكل الأولي للشبكات الاجتماعية، قبل ظهور وسائل التواصل الحديثة. 
ففىها تُبنى العلاقات، وتُعقد الصفقات، وتُنسج الروابط الأسرية، وتُتداول الأخبار، فى إطار تفاعلي مباشر يعكس دفء العلاقات الإنسانية وصدقها. وهكذا، تظل الموالد الشعبية واحدة من أكثر الظواهر تعبيرًا عن روح المجتمع المصري، بما تحمله من ثراء وتعدد، وقدرة دائمة على التجدّد والتكيف. 
إنها ليست مجرد احتفال، بل نصّ اجتماعي مفتوح، يُقرأ فىه تاريخ الناس، وتُفهم من خلاله ملامح الحاضر، وتُستشرف عبره احتمالات المستقبل.

يؤكد د. أيمن عثمان، الباحث والمتخصص فى التراث الشعبي المصري وصاحب موسوعة «تراث مصري»: إن الموالد ظاهرة حضارية فريدة تتجاوز فى جوهرها التصنيف البسيط كاحتفالات دينية لتصبح مؤسسة اجتماعية ثقافىة واقتصادية متكاملة تضرب بجذورها فى أعماق التاريخ المصري القديم. إن المولد فى الوجدان المصري هو «اللحظة الكرنفالية» التي يتحلل فىها الزمن الرتيب وتذوب فىها الفوارق الطبقية، حيث يمتزج الطقس الروحي بالفلكلور الشعبي فى بوتقة واحدة تعكس الخصوصية الثقافىة للشخصية المصرية.
تجمع إنساني واجتماعي
ويشير د. أيمن عثمان، إلي إنها أحد الأعمدة الأساسية للهوية الثقافىة والاجتماعية فى مصر، ويقول: لأن «المولد» فى الوجدان المصري ليس مجرد احتفال ديني، بل هو تجمع إنساني واجتماعي ضخم. ويربط نشأة الموالد بتراكم الحضارات فى مصر؛ حيث يرى أن المصريين نقلوا فكرة الاحتفال بآلهتهم القديمة (مثل احتفالات منف وطيبة) إلى العصور الإسلامية والمسيحية، مع تغيير «البطل» أو الشخصية المُحتفى بها. وأن الارتباط بالمكان ينشأ عادةً حول "ضريح" أو «مزار» لشخصية اتسمت بالورع أو البطولة، مما يجعل المكان نقطة جذب روحية وتجارية فى آن واحد. كما أن الموالد تعد «برلمان الغلابة» أو المتنفس الشعبي، حيث تذوب الفوارق الطبقية بين الزوار. كما تعمل الموالد كآلية للتكافل الاجتماعي من خلال "الإطعام" وتقديم "الخدمات" 
ثلاثة مستويات متداخلة
ويصنف عثمان مظاهر المولد إلى ثلاثة مستويات متداخلة: المستوى الروحي (الذكر) وهو الجوهر، حيث تنصب خيام الطرق الصوفىة وتقام حلقات الذكر والإنشاد الديني والمداحين الذين يسردون سيرة صاحب المولد.
والمستوى التجاري حيث يُعتبر المولد «موسمًا اقتصاديًا» بامتياز، حيث ينشط بائعو الحلوى (مثل الحمص والسمسمية)، وبائعو لعب الأطفال، والملابس، مما يخلق حركة رواج فى المناطق المحيطة بالضريح. أما المستوى الثالث فهو المستوى الترفىهي فىشير إلى المظاهر الفلكلورية مثل «صندوق الدنيا»، «الأراجوز»، «المرجيحة»، وألعاب القوة التي تمثل البهجة الشعبية البسيطة.
ويؤكد د. أيمن، دائمًا على أن الموالد هي التي حافظت على الفلكلور المصري من الاندثار، فهي الوعاء الذي حفظ الأغاني الشعبية، وطرق الطهي التقليدية، والمهن اليدوية البسيطة التي قد لا نجدها فى الحواضر الكبرى إلا فى وقت المولد.
البنية الفكرية والدينية
ويشير د. أيمن ، إلى أنه لا يمكن فهم الموالد الشعبية فى مصر دون العودة إلى البنية الفكرية والدينية للمصريين القدماء.. ويقول: إذ لم تكن هذه الظاهرة مجرد بدعة ظهرت فى العصور الوسطى، بل استمرار لنمط احتفالي ضارب فى القدم عرفته ضفاف النيل منذ آلاف السنين، حيث كانت الأعياد تمثل مشاريع جماعية كبرى يشارك فىها جميع السكان بهدف توحيد الرؤية العقائدية وترسيخ الوجدان الجمعي.
ويضيف بقوله: تظل الموالد الشعبية فى مصر واحدة من أكثر صور "المجال العام" حيوية، إذ لم تخضع بالكامل للضبط الرسمي حتى اليوم. فهي ليست مجرد ذكرى لولي أو طقس ديني عابر، بل كما يصفها الباحث سامح الزهار فى أحدث دراساته "الحافظة الأمينة للهوية المصرية" التي صمدت فى مواجهة محاولات التنميط الثقافى. وفى رحاب "السرادق" تتلاشى الفوارق الطبقية، ويتشكل ما يسميه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بـ"الديمقراطية الشعبية"، حيث يبتكر البسطاء أنماطهم الخاصة فى التكافل الغذائي والاجتماعي والأمان بعيدًا عن تعقيدات المؤسسات الرسمية.
 التحديث الشعبي الذاتي
ويوضح د. أيمن، أن المولد لا يتوقف عند حدود الماضي، بل يعيد إنتاج نفسه فى صورة ما يمكن وصفه بـ"التحديث الشعبي الذاتي"، وفقًا لتقارير المورد الثقافى عام 2022، حيث لم يعد غريبًا أن يمتزج صدى الناي الصوفى بإيقاعات المهرجانات الحديثة، فى مشهد سوسيولوجي فريد يعكس قدرة المصريين على استعادة حريتهم العفوية والاحتفال بالحياة. ويقول: تنتشر الموالد فى مختلف المحافظات المصرية دون استثناء، حيث ينتظرها البسطاء والفقراء بشغف بالغ باعتبارها متنفسًا روحيًا ونفسيًا للتطهر من أعباء الحياة. وتشير إحصاءات صادرة عن الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية إلى أن عدد الموالد فى مصر يصل إلى نحو 2850 مولدًا للمسلمين والأقباط، بما يعكس اتساع الظاهرة وعمقها التاريخي والاجتماعي.
كما ارتبطت الموالد فى العصر الحديث بأسماء بارزة فى عالم الإنشاد الديني، يأتي فى مقدمتهم الشيخ ياسين التهامي، الذي يمثل قيمة روحية كبرى لدى جمهور الموالد. ويحرص التهامي على حضور الليلة الكبيرة، حيث يؤدي إنشاده وسط حشود من الدراويش والعاشقين، متغنيًا بأشعار ابن الفارض والحلاج، فى مشهد روحاني يرسخ تقاليد التصوف الشعبي.
الشاعر صلاح جاهين
ويؤكد د. أيمن عثمان، أن الشاعر الكبير صلاح جاهين يُعد من أبرز من وثقوا الموالد فى الوجدان المصري، من خلال رائعته «الليلة الكبيرة»، التي قدم فىها تصويرًا دقيقًا وعميقًا للمولد الشعبي بكل تفاصيله، بدءًا من تنوع جمهوره بين الفلاحين والصعايدة وأهل القنال، وصولًا إلى المشاهد الاحتفالية التي تملأ الساحات بخيام الريف والجنوب التي يحملها الناس معهم كل عام.
كما وثق جاهين المظاهر الشعبية المصاحبة للموالد، مثل الأراجوز وبائع البخت والمراجيح والرايات الملونة والملاهي ورفع الأثقال والنيشان والحاوي، إضافة إلى الأطعمة الشعبية التي أصبحت جزءًا من ثقافة المولد المصرية.
ويقول: رغم الجذور التاريخية العميقة، فإن الشكل المؤسسي والتنظيمي للموالد بصيغته الحديثة يعود إلى العصر الفاطمي، حيث استخدم الخلفاء الفاطميون الموالد كأداة سياسية بامتياز لترسيخ شرعيتهم فى مجتمع ذي أغلبية سنية، عبر الموائد العامة والزينات والاحتفالات الجماهيرية.
وقد أرسى الفاطميون تقليد الاحتفال بموالد كبرى شملت المولد النبوي الشريف، وموالد الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين، إضافة إلى مولد الخليفة القائم، وكانت هذه الاحتفالات تُقام بمواكب رسمية مهيبة تُوزع فىها الحلوى واللحوم على العامة، ما خلق علاقة وجدانية قوية بين السلطة والمجتمع فىما عُرف لاحقًا بـ «دولة التفاريح».
ومن أبرز ما خلفه العصر الفاطمي فى الوجدان المصري رمزان ما زالا حاضرين حتى اليوم، هما عروسة المولد والحصان السكري، وترتبط الرواية الشعبية بظهور الحاكم بأمر الله وزوجته فى مواكب احتفالية، حيث استلهم صناع الحلوى تلك المشاهد لصناعة تماثيل سكرية أصبحت من أبرز رموز الموالد البصرية.
وفى العصور الأيوبية، شهدت الموالد تراجعًا فى الطابع الرسمي مع تقليص الاحتفالات ذات البعد الشيعي، لكنها استمرت شعبيًا وصوفىًا. ومع العصر المملوكي استعادت الموالد قوتها، وظهرت فىها قصائد المديح النبوي الكبرى مثل البردة والهمزية للإمام البوصيري، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من طقوس الإنشاد. أما فى العصر العثماني، فقد تعمق الطابع الشعبي، وانتشرت الشوادر وحلقات الذكر الكبرى، لتتحول الموالد إلى ما يشبه «سوق عكاظ» مصري يجمع بين الدين والتجارة والترفىه.
خريطة روحية معقدة
ويوضح د. أيمن عثمان، أن الموالد فى مصر تتوزع الموالد فى مصر وفق خريطة روحية معقدة، حيث يمثل كل إقليم قطبًا أو وليًا يعكس وجدان سكانه. ففى القاهرة، تتصدر موالد آل البيت المشهد، وعلى رأسها مولد الإمام الحسين الذي يُحتفل به مرتين سنويًا، إلى جانب مولد السيدة زينب الذي يتحول إلى ظاهرة اجتماعية وروحية فريدة.
ويقول: فى الدلتا، تبرز مدينتا طنطا ودسوق كمراكز صوفىة كبرى، حيث يمثل السيد أحمد البدوي أحد أكبر التجمعات الروحية فى مصر، بينما يتميز مولد سيدي إبراهيم الدسوقي بطابع روحاني عميق يرتبط بالنيل والبيئة النهرية.أما فى الصعيد، فتتجلى الموالد بطابع مختلف يمزج بين الروحانية والفروسية، حيث تنتشر طقوس التحطيب والمرماح وسباقات الخيل فى موالد مثل سيدي عبد الرحيم القناوي وأبو الحجاج الأقصرى، لتتحول الموالد إلى ساحات اجتماعية لفض النزاعات وتجديد العهود القبلية.
متنفسًا اجتماعيًا واقتصاديًا
ويشير د. أيمن، إلى أن البعض أن قوة الموالد تستمد من الحكايات والكرامات المتداولة شفهيًا، والتي تمثل جزءًا أساسيًا من الذاكرة الشعبية ومحركًا رئيسيًا لاستمرار هذه الظاهرة.وتحتل قصة الرأس الشريف للإمام الحسين مكانة خاصة فى الوجدان المصري، ويقول: حيث تُروى تفاصيل انتقاله من كربلاء إلى دمشق ثم إلى عسقلان، قبل أن يُنقل إلى القاهرة عام 548 هـ فى موكب مهيب، لتصبح المدينة مقصدًا روحيًا عالميًا، ويغدو مقام الحسين رمزًا مركزيًا للحضور الحسيني فى مصر.كما ترتبط السيدة زينب فى الذاكرة الشعبية المصرية برحلة اختيارية إلى مصر بعد مأساة كربلاء، حيث استُقبلت بحفاوة كبيرة فى بلبيس، ودعت دعاءها الشهير الذي يُعتقد أنه سر بركة مصر، لتُعرف لاحقًا بـ «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» لما لها من مكانة روحية خاصة.
وتتجلى فى الموالد مجموعة واسعة من الطقوس الشعبية، أبرزها حلقات الذكر التي يقوم فىها المريدون بحركات جماعية فى حالة وجد روحي، إلى جانب الإنشاد الديني الذي يقدم فىه المداحون السير والقصص الدينية، مع تفاعل جماهيري عبر"النقوط". كما يحتل فن الأراجوز مكانة خاصة كأحد أقدم الفنون الساخرة التي تعكس نقدًا اجتماعيًا مباشرًا، إلى جانب المهن الموسمية مثل بائعي الحمص والترمس وصناع العرائس السكرية وباعة السبح والمبخرات، فضلًا عن طقوس التبرك والختان فى بعض الموالد.
وبحسب ما يري د. أيمن عثمان، تشكل الموالد أيضًا متنفسًا اجتماعيًا واقتصاديًا مهمًا، حيث توفر ترفىهًا شعبيًا منخفض التكلفة، وتخلق اقتصادًا موازيًا يدعم آلاف المشروعات الصغيرة، كما تمثل منصة للتبادل التجاري بين الريف والحضر.


د. حسن الخولي: جزء رئيسي في تكوين الثقافة الشعبية المصرية

وحول ظاهرة الموالد الشعبية وتداخلها القوي فى نسيج المجتمع المصري ،يؤكد د.حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، بجامعة عين شمس، وعضو شعبة الأنثروبولوجيا والفولكلور، على أن الموالد الشعبية جزء أساسي من الثقافة الشعبية المصرية، وليس فى مصر فحسب، بل فى جميع أنحاء العالم توجد لديهم احتفالات شعبية وفقاً لمعتقداتهم؛ فنحن نقيم احتفالات شعبية للأولياء، وهناك احتفالات شعبية للقديسين فى مختلف دول العالم.. ويقول:كما أن ظاهرة الموالد ليست مصرية فقط، بل هي ظاهرة عالمية. فى كل ثقافات ومجتمعات العالم تجد احتفالات بالقديسين، ونحن لدينا الاثنان؛ قديسون مسيحيون وأولياء مسلمون، ونحن نحتفل بكليهما.
وعلاوة على ذلك، تجد لدينا فى مصر نسيجاً متماسكاً للغاية، حيث يتبادل المسلمون والمسيحيون الاحتفالات فى هذه المناسبات؛ فنجد مثلاً فى مولد القديسين أن أغلب الحاضرين للاحتفالات هم من المسلمين.وفى موالد الأولياء تجد أن أغلب الحاضرين من المسيحيين أيضاً. وليس هذا فحسب، بل إن مظاهر الاحتفال تُمارس من كلا الجانبين؛ فعلى سبيل المثال، تجد أن المسلمين يعتقدون فى كرامات القديسين المسيحيين، ويلجأون إليهم فى مسألة طلب الاستشفاء أو الطب أو العلاج أو حل المشاكل، وكذلك يفعل المسيحيون الأمر ذاته.
الموالد تؤدي وظائف
ويضيف، د.حسن الخولي، ويقول : لذا، فإن الموالد كظاهرة ليست مجرد ظاهرة دينية شعبية من حيث وظائفها، بل إن لها بُعداً اقتصادياً مهماً جداً. إذ تروج فىها التجارة، وتُعد موسماً للسلع وللبائعين من مختلف الفئات وما إلى ذلك. وليس هذا وحسب بل إن للموالد بُعداً اجتماعياً يتمثل فى زيادة التماسك بين الناس وفئات المجتمع على اختلاف طبقاتهم، مما يشيع البهجة فى نفوس الناس. وبالتالي، فإن لها وظائف كثيرة ومتعددة؛ اجتماعية واقتصادية ودينية.  بل إن الدولة والحكومات نفسها تشرف عليها وتشجعها، فالحكومات المحلية والمحافظات تضع لها تنظيمات معينة وتوفر لها الأمن وما شابه ذلك، لذلك فهي ظاهرة لا يمكن لأحد إطلاقاً أن يطعن فىها أو يقدح فىها. ومن هذا المنطلق فإن الموالد الشعبية تؤدي وظائف فى منتهى الأهمية للدولة والمجتمع والناس، والناس لو لم يكونوا يريدونها لما أقاموها أصلاً؛ فهي تلبي حاجات ملحة جداً للناس، وترضيهم، وتعبر عن وجدانهم حتى أصبحت جزءً أصيلا من نسيج المجتمع المصري.

 

 

 

ترشيحاتنا