كتبت :محمد ضياء الشندويلي
شهدت محافظة سوهاج فعاليات دينية وشعبية كبرى بمناسبة الاحتفال بمولد سيدي العارف بالله، في أجواء امتزجت فيها الروحانيات بالتقاليد الشعبية، وسط حضور جماهيري كبير. وجاءت الاحتفالات هذا العام لتؤكد استمرار هذا الحدث الديني في جذب آلاف الزائرين سنويًا، حيث امتلأت ساحة المسجد والمناطق المحيطة به بالمشاركين الذين حرصوا على حضور الفعاليات الدينية والابتهالات الصوفية، في مشهد يعكس عمق الارتباط الشعبي بمثل هذه المناسبات التي تُعد من أبرز الموالد في صعيد مصر.
داخل المسجد، أُقيمت أمسية دينية كبرى تضمنت تلاوات قرآنية لعدد من القراء، من بينهم القارئان محمود أبو الحجاج المناعي ومحمود سلمان الحلفاوي، حيث قدما تلاوات متميزة اتسمت بالخشوع والسكينة، وسط تفاعل واضح من الحضور الذين استمعوا في أجواء روحانية هادئة.
كما تضمنت الفعاليات فقرات ابتهالات دينية قدمها المنشدون محمد عبدالرؤوف السوهاجي ويسري معتوق، حيث أضفيا طابعًا روحانيًا خاصًا على الأمسية من خلال أداء مجموعة من الأناشيد الدينية والتواشيح الصوفية التي تفاعل معها الحضور بالإنصات والترديد، في مشهد يعكس حالة من الصفاء الروحي التي تميز مثل هذه المناسبات.
وخارج أسوار المسجد، امتدت الاحتفالات إلى الساحات المحيطة التي شهدت تنظيم فعاليات كبرى من جانب الطرق الصوفية، حيث أُقيمت حلقات الذكر والمدائح النبوية التي استمرت لساعات طويلة، وسط حضور كثيف من المحبين والوافدين. وقد شارك في هذه الفعاليات عدد من المنشدين الصوفيين، وعلى رأسهم المنشد المعروف ياسين التهامي، الذي قدم فقرات إنشاد ديني لاقت تفاعلًا واسعًا من الحضور، نظرًا لما يتميز به من أداء قوي وصوت مؤثر في مجال الإنشاد الديني.
وتنوعت فقرات الإنشاد بين المدائح النبوية والتواشيح الصوفية التي تعبر عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وآل البيت، وهو ما خلق حالة من التفاعل الجماعي بين المشاركين، حيث تعالت الأصوات بالتكبير والذكر، في أجواء احتفالية امتدت حتى ساعات متأخرة من الليل.
وأوضح عدد من القائمين على تنظيم الاحتفالات أن هذا العام شهد إقبالًا جماهيريًا كبيرًا، رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرين إلى أن محبة المواطنين لمثل هذه المناسبات لا تتأثر بالظروف، بل تظل راسخة في الوجدان الشعبي. كما أشار بعض الزائرين إلى أن هذه الموالد تمثل فرصة للتقرب إلى الله واستحضار القيم الروحية، بالإضافة إلى كونها مناسبة اجتماعية تجمع بين مختلف فئات المجتمع.
وأكد الشيخ محمد السيد، إمام وخطيب مسجد العارف بالله، أن الاحتفالات هذا العام جاءت مميزة من حيث التنظيم وحجم المشاركة، موضحًا أن وجود قيادات دينية وتنفيذية ساهم في خروج الفعاليات بصورة مشرفة تعكس اهتمام الدولة بالمناسبات الدينية ودعمها للأنشطة التي تعزز من القيم الروحية والمجتمعية.
كما أشاد الحضور بالدور الذي قامت به الجهات المعنية في تنظيم وتأمين الفعاليات وتوفير سبل الراحة للزائرين، خاصة كبار السن، بالإضافة إلى الانسيابية في إدارة الحشود داخل المسجد وخارجه، مما ساهم في نجاح الاحتفالات بشكل عام.
ويرى البعض الآخر أن مولد سيدي العارف بالله لا يقتصر على كونه مناسبة دينية فحسب، بل يُعد حدثًا اجتماعيًا وثقافيًا مهمًا يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية داخل المنطقة، خاصة مع توافد الزوار وازدهار الأنشطة المرتبطة بالمولد من تجارة وخدمات ومأكولات شعبية.
وفي ختام الفعاليات، غادر الآلاف من المشاركين ساحة المسجد وهم يحملون مشاعر من السكينة والرضا، بعد مشاركتهم في أجواء روحانية امتزجت فيها التلاوة والإنشاد والذكر، ليبقى مولد سيدي العارف بالله بسوهاج شاهدًا على استمرار هذا التراث الشعبي والديني، وقدرته على الجمع بين البعد الروحي والاجتماعي في آن واحد، في صورة تعكس خصوصية الثقافة الدينية في صعيد مصر.



