شيخ المجالس الحديثية د. أحمد معبد عبد الكريم: الطعن فى صحيح «البخاري» تشكيك فى العقيدة

د. أحمد معبد فى حواره مع «اللواء الإسلامى»
د. أحمد معبد فى حواره مع «اللواء الإسلامى»

د. أحمد معبد عبد الكريم، عضو هيئة كبار العلماء، أستاذ الحديث وعلومه، أحد أهم علماء الأمة فى العصر الحديث فى علوم السنة والحديث، ويُعد من أكثر المنافحين عن السنة النبوية المشرفة، الذين تصدوا للدفاع عنها ببحوثه ومقالاته ومحاضراته على مدار أكثر من خمسين عامًا. 
وُلد «معبد» بقرية الشيخ سعد ببلدة العجميين بمركز أبشواي فى محافظة الفيوم عام 1939م. حصل على الإجازة العالية «الليسانس» شعبة الحديث وعلومه من كلية أصول الدين بالقاهرة عام 1966م، ثم نال درجة الماجستير فى التخصص نفسه عام 1970م، وحصل على الدكتوراه عام 1979م بمرتبة الشرف الأولى.
عُيِّن فى بواكير حياته العملية إمامًا وخطيبًا بوزارة الأوقاف وشئون الأزهر من (1967 - 1972)، ثم عمل معيدًا بقسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين عام 1972م، ثم مدرسًا مساعدًا، ثم مدرسًا بقسم الحديث وعلومه، وأستاذًا مساعدًا بقسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1979م، وأستاذًا مساعدًا بقسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق، ثم أستاذًا ورئيسًا لقسم الحديث وعلومه، ويعمل الآن أستاذًا متفرغًا بقسم الحديث بكلية أصول الدين.
نال عضوية العديد من اللجان العلمية؛ فهو عضو بلجنة السنة بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعضو فى لجان التحكيم لبحوث الترقية للمراتب العلمية الجامعية وللبحوث المنشورة فى عدد من المجلات العلمية المحكمة. وهو عضو لجنة السنة والسيرة النبوية بالأزهر الشريف، وعضو متعاون مع معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، ومستشار فى التصنيف الحديثي لبرامج الحاسوب. كما شارك فى إعداد مناهج الحديث وعلومه فى المراحل الجامعية والدراسات العليا بالأزهر والجامعات العربية والإسلامية، وشارك أيضًا فى الدورات التدريبية لطلاب الدراسات الشرعية المختصة بعلوم السنة، وله العديد من البحوث والمؤلفات المنشورة، وتحقيق وتعليق لإحياء بعض المؤلفات فى تراث علوم السنة، أهمها «النفح الشذي فى شرح جامع الترمذي».
«اللواء الإسلامي» التقت شيخ المجالس الحديثية د. أحمد معبد عبد الكريم، عضو هيئة كبار العلماء، وهذا نص الحوار:


 • باعتباركم أحد محدثي الأمة الإسلامية، متى بدأت البواكير الأولى لعلم الحديث؟ وكيف أتت الأحاديث الضعيفة؟ 
 •• بدأ علم الحديث منذ بعثة النبي، عليه الصلاة والسلام، وفعله الذي رآه الصحابة، وأيضًا موافقاته، وتحديثه للأمة بما يشرح القرآن الكريم ويبين أحكامه الشرعية، فقد حمل الصحابة هذه الأمانة حتى وصلت السنة للتابعين وأتباع التابعين، ومن بعدهم إلى يومنا هذا، فلا يفرطون فيما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم وما رأوه منه، وأيضًا لا يكذبون فى إضافة شيء إليه.
فإذا قرأنا كتابًا كالمعجم الكبير للإمام الطبراني، وهو يجمع الصحابة الكرام، نجد أنهم كانوا ينقلون عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله وفعله وإقراره على ما رآه ولم ينكره، فيسألون الصحابي: هل ترى أن الشيء الحلال أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: نعم، لقد كنت أنا وفلان، وفعلنا كذا بحضرة رسول الله فلم ينكر علينا.

اقرأ أيضا| د. محمد محمود أبوهاشم عضو مجمع البحوث الإسلامية :الهجوم على السنة أولى درجات الطعن فى القرآن


وبذلك أصبحت البداية للسنة النبوية هي نقلها من قول الرسول وفعله ومن إقراره إلى صحابته. وبعد أن تحمل الصحابة والتابعون مهمة التبليغ لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ظهرت الفتنة التي قُتل فيها سيدنا عمر، ثم سيدنا عثمان، ثم علي، وفى هذه الفترة دخل فى الإسلام بعض المنافقين الذين أسلموا بنية أن يكيدوا للإسلام، وبدأ هذا بوفاة سيدنا عمر، فبدأ المنافقون يتقولون على النبي صلى الله عليه وسلم، وظهرت الأحاديث الموضوعة والضعيفة.
وفى الوقت نفسه، اجتهد التابعون وأتباعهم فى كشف هذه الأحاديث وبيانها للناس، حيث تكلموا فى الرجال جرحًا أو تعديلًا، وما تكلموا به هو المدون فيما هو معروف بـ«علم رجال الحديث» الذي بين أيدينا الآن، وعن طريق بيان التابعين ومن بعدهم لحال هؤلاء الرواة عُرفت ونُقِّيت السنة مما هو دخيل عليها، لنعمل بما هو صحيح منها ونتجنب ما هو مكذوب وضعيف. 
الأحاديث الضعيفة
 • ما رأيك فى الدعوات التي تطالب بحذف هذه الأحاديث الضعيفة؟ 
 •• هذه الأحاديث الضعيفة موجودة فى مؤلفات، وهذه المؤلفات منسوبة إلى الذين ألفوها ورووها، وثبت لهم ذلك بمقتضى الملكية الفكرية التي نرددها الآن. فأنت لا تملك الملكية الفكرية لعالم، ولو فى عمله أخطاء، لكن نترك ذلك ونكتب توضيحًا جديدًا أو تصويبًا لما كتبه فى السابق.
فالخطأ يُدوَّن كما وقع، ثم يُنبَّه على أنه خطأ، والصواب يُدوَّن ويُنبَّه على أنه صواب. كما أن أصحاب الروايات الذين تحملوها ونقلوها إلينا قد قضوا نحبهم بالموت، وليس لدينا سلطان عليهم لنحذف أو نضيف فى رواياتهم بصفة نهائية، فيكون لمن بعدهم حق الاختلاف فقط، وليس الإبادة أو الطعن أو التشويه، كما هو شائع من أعداء السنة النبوية.
فلا يملك شخص تغيير ما كتبه السابقون، فأجر ما كتبوا لهم أو عليهم، ولا يمكن أن نلغي ما كُتب. فلو حذفنا ما كُتب، فأين هويتنا التي يعبر عنها تراثنا؟ وإذا عبثنا فى هذا التراث بحجة أن هذه الأفكار لا تعجبنا، فسنصل فى النهاية إلى الشك فى كل التراث. فالذي يقول بذلك هو أصلًا لم يدرس قيمة التراث وحق الملكية الفكرية.
فالمناهج الدراسية إذا ركزت على هاتين النقطتين، قيمة التراث باعتباره هوية، وقيمة التراث باعتبار الملكية الفكرية، فإن هذه الإشكاليات ستتلاشى. فهذه أحاديث رواها البعض، فلا تستطيع إلغاءها، إذن فمن يقول بحذف الأحاديث الضعيفة هو شخص لم يدرس أمرين: أن التراث، بأخطائه وصوابه، ليس ملكًا لأحد حتى نبدله، لكن ننقده، وأن هذا التراث هو هويتنا.
أليس هذا دليلًا على أنَّ هذا التراث والثقافة الفكرية هي التي تميز أممًا عن غيرها؟ فهل هناك أمة على وجه الأرض الآن تفرط فى ثقافتها؟ لا توجد. إذن، لماذا نجعل تراثنا نهبًا، وليست له قيمة ولا قدسية ولا حقوق؟ فالدعوة إلى التخلص من هذه الأحاديث دعوة قصيرة النظر؛ لأنها تلغي هذين الأمرين. إذن، مسألة تغيير التراث والتبديل فيه دون ضوابط هي دعوى لهدم شخصية الأمة الإسلامية، وتلغي حقوق أناس، ونحن جميعًا، أو العالم كله الآن، يسعى إلى ترسيخ الملكية الفكرية.
 • إذًا، ليس هناك ضرر أو خطورة من ترديد الأحاديث الضعيفة؟ 
 • أبدًا، فالمشكلة أنه لا يوجد ما يسمى بالخلفية الشرعية، فلا بد للتراث أن يبقى؛ ما دُرس منه ليبقى، وما لم يُدرس يبقى كذلك، فالمسلمون أولى بتطوير تراثهم من غيرهم. 
التشكيك فى السنة
 • من آنٍ لآخر تظهر بعض الفئات التي تهاجم السنة النبوية وتسعى للتشكيك والطعن فيها، فما ردكم على هؤلاء؟ وكيف ترى أبعاد هذه القضية؟ وهل الطعن فى السنة مخطط له منهج محدد؟ 
 •• نعم، هو مخطط، وله منهج الآن؛ فهناك قنوات ومواقع مخصصة لذلك. فليس من الذكاء، إذا فهمنا أن هذا المخطط، ألا نقف فى مواجهته، بدلًا من أن نصفق له على أنه عقلانية. فالعقلانية لا يرفضها أحد، وأول شرط لقبول الحديث أن يكون الراوي عاقلًا، لكن أي عقل؟ لا بد أن يكون عقلًا مكتسبًا من واقع التخصص، فكيف لغير متخصص أن يتخذ رأيًا فى هذا التخصص أو هذه القضية وهو لا يعلم عنها شيئًا؟
ولهذا، فكل هذه الدعوات أولًا ممولة، وللأسف لا تجد من يقابلها بنفس الكثافة، لكن فى النهاية، رغم كل هذه المعارك، فالشبهات التي يقولونها الآن، إذا بحثنا فى كتب المستشرقين، سنجد كثيرًا منها منقولًا بالنص، وهذا يعني أن هذه الجهات التي تردد هذه الأقاويل مأجورة وممولة، والقصد منها هو هدم النقاط الإيجابية للإسلام. إذن، مسألة أننا نعادي العقل مسألة مُدَّعاة وليست حقيقية، لكن لا بد أن نبحث عن العقل الذي نحترمه. 
 • فئة «القرآنيين» ما زالت تدعو إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم دون السنة، فما ردكم على هذه الفئة؟ 
 •• هذه دعوات خبيثة، وهي إنكار للقرآن الكريم؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم هو من أُنزل عليه القرآن، وهو من علَّمنا أمور الدين وفسَّر لنا القرآن، بالإضافة إلى أن هؤلاء يدَّعون بهتانًا وكذبًا أن لدينا كتابين من القرآن الكريم، ويسألون الناس: بأي قرآن تتعبدون وتؤدون مناسككم؟ وهذا طعن صريح فى كتاب الله المنزل على نبيه، وهو القرآن الكريم، وهذا أكبر دليل على تناقض ادعائهم وكذبهم، فهم يطعنون فى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا يبدأ تشكيكهم فى القرآن الكريم، وهذا محض كذب وافتراء. 
صحيح البخاري
 • أيضًا الإمام البخاري وصحيحه ناله الكثير من الهجوم، فلماذا هذا الإمام دون غيره من أئمة الحديث؟ وما ردك على الاعتراض على صحيحه بحجة أنه عمل بشري من الممكن أن يحمل بين طياته أحاديث مغلوطة ومدسوسة؟ 
 •• مقولة إنه عمل بشري، فهذا لا جدال فيه، لكن هل كل الأعمال البشرية تحتاج أن نتوقف فيها بحجة أنها عمل بشري؟ فالإمام البخاري ألَّف صحيحه وتوفى سنة 256هـ، وانتشر فى جميع البلاد، بما فيها غير المسلمة، وأول من طبع صحيح البخاري كانوا غير المسلمين فى أوروبا، وليس العالم الإسلامي.
وهؤلاء الناس، بعد أن طبعوا هذا الكتاب، انقسموا قسمين: قسم شكك فيه، والقسم الثاني لم تكن له قراءة كافية بصحيح البخاري، فالذي قرأ البخاري كاملًا وزار الأزهر قبل نحو (10) سنوات، عاد عن كل الأفكار التي كانت تقال عنه، وقدم محاضرة فى الأزهر بناءً على دعوة من الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، عندما كان رئيسًا لجامعة الأزهر، وهو محمد فؤاد سزكين، وهو رجل تركي تزوج ألمانية، وكان مدير معهد الدراسات الشرقية فى ألمانيا.
فهذا الرجل ألَّف كتابًا تحت اسم «تاريخ التراث»، من ضمنه النسخ الخطية لصحيح البخاري، وقبل أن يقدم هذه الدراسة، كان يكتب وهو يبحث فى تدريسه أن أسانيد البخاري ليست من المعقول أن تكون كلها صحيحة، ثم بعد أن قرأها كاملة، قال: إن قراءتي لصحيح البخاري أثبتت أن جميع أسانيد البخاري ليس فيها خطأ يقتضي الطعن فيه.
فلذلك، عندما يقولون إنه عمل بشري، فمهمتنا مراجعة الأعمال البشرية على يد مجموعة من العقلاء، ويكمل بعضهم بعضًا، وهذا ما تم فعله مع البخاري. فهل هناك ضبط لعمل بشري أكثر من هذا؟ فهناك كتب مجلدات درست ألفاظه ورجاله (أسانيده) وضبط الكلمات فيه، وفى جميع هذه الكتب ظهر أنه ليس فيه خطأ لا يوجد له رد.
فهل كونه عملًا بشريًا يصلح أن يكون هناك طعن عليه؟ فالهجوم على الإمام البخاري جزء من الهجوم على العقيدة الإسلامية الصحيحة والشريعة الإسلامية الثابتة، كما أن الإمام البخاري له مكانته القوية فى نفوس المسلمين، فبمجرد ذكر أن الحديث موجود فى صحيح البخاري يطمئن الناس إليه، كما أن صلاتنا وصيامنا وعبادتنا من ذكر وتسبيح، وما نقوله فيها، معظمه فى صحيح البخاري، وعندما يأتي التشكيك فيه، فلا شك أنه يُشكك المسلم فى العقيدة نفسها، وهذه العقيدة أفشلت، بحقائقها، أعداء الإسلام فى أن ينالوا منها، مما جعلهم يطعنون فى الإمام البخاري كوسيلة أصلية من وسائل ثبوت الدين كله. 
الخروج من الملة
 • وهل يخرج منكر السنة من الملة؟ 
 •• السنة بها أشياء دخيلة عليها، فإنكار السنة له أمران: إما أن تقول هذا الحديث لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا إنكار، وإما أن تقول: وإن ثبت فأنا لا أؤمن به.
فهل الصورة الأولى مثل الثانية؟ إذن، الإنكار له أنواع، ولا يُحكم على إنسان بالخروج من الملة إلا إذا أنكر أن هذه السنة صدرت أصلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهناك إنكار لا يُخرج من الملة، وهناك إنكار يطعن فى السنة ولا يؤمن بها، والإخراج من الملة يكون لأنه أنكر مصدر السنة.
إذن، هناك إنكار يكون من باب الخطأ، وهناك إنكار من باب الجحود، ولذلك يقول القرآن: «فجحدوا بها»، فالجحود هو الذي يترتب عليه الخروج من الملة.
 • تدوين السنة من الشبهات التي يطرحها الطاعنون فيها، وهناك طرح يقول بأنها دُوِّنت بعد انتقال النبي بكثير، فما ردك على هذا الطرح؟ 
 •• هناك فارق بين الكتابة والتدوين؛ فالمقصود بالكتابة هو الكتابة بشكل عشوائي، لكن التدوين يعني التأليف بشكل مرتب ومنظم، وتقسيم ما يُكتب إلى فصول وأبواب. بالإضافة إلى أن الكتابة الأولى كانت بلا نقط ولا تشكيل، وكان يتم معرفة الكلمات المتشابهة عن طريق حفظة القرآن، كما أن المصحف الشريف كان بلا نقط أيضًا، لكن كان الحفظة يقرأون القرآن وآياته جيدًا، وكان الصحابة يحفظون عن النبي كل ما يقوله. كما أن الكتابة فى عهد النبي لدى الصحابة كانت صعبة جدًا، لعدم توافر ركائزها؛ لذلك كانوا يفضلون حفظ أحاديث النبي فى صدورهم على الكتابة. 
 • أخيرًا.. من آنٍ لآخر ترتفع نبرة الهجوم ضد التراث الإسلامي، فلماذا؟ 
 •• نظرية المؤامرة أصبحت واقعًا دوليًا مفروضًا، والعالم كله أصبح يعتمد على حروب الجيل الخامس حاليًا، وهي التي تؤسس على تدمير المقدرات الفكرية، والتشكيك فى ثوابت العقيدة. ولأنهم يثقون فى فاعلية أدواتهم، فيسارعون إلى أصل الشجرة الثابت رغبةً فى قطعه، ويتركون الفروع، وهذا ما يفعلونه فى الهجوم على التراث المتضمن الأسس الشرعية والعقائد الدينية التي ترسم صور العبادات والمعاملات التي تنظم حركة المجتمع. فإذا حدث خلل فى تلك المنظومة فإنها تخرج عن الإطار الإلهي المقصود منها، ويحدث خلل بالمجتمع، ويصبح أفراده صيدًا، ويمكن إعادة تشكيل أفكارهم بما يتوافق مع رؤى واستراتيجيات المستعمرين الجدد. ولذلك يجب علينا التمسك بالتراث، وأن نركب سفينته مع تجديدها بأحدث منجزات العصر، حتى لا نتخلف عن ركب المستجدات العصرية الآن.

 

ترشيحاتنا