تحت لواء القرآن

نمطٌ خفيٌّ من الدلالة على الإنكار في القرآن

 د. محروس بُريّك
د. محروس بُريّك

بقلم: د. محروس بُريّك

ذكر ابن هشام في كتابة مغني اللبيب أن الهمزة تخرج عن الاستفهام الحقيقي فترد لثمانية معان، هي: التسوية، نحو: (سواء عليهم أستغفرتَ لهم أم لم تستغفر لهم) «المنافقون: 6»، والإنكار الإبطالي وفي هذا المقال تفصيل القول فيه، والإنكار التوبيخي نحو: (أتعبدون ما تنحِتون) «الصافات:95»، والدلالة على التقرير نحو قول قوم إبراهيم: (أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا) «الأنبياء:62» وذلك أنهم قد وقَر في نفوسهم أنه من فعل هذا، بقرينة قولهم: (سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) «الأنبياء:60»، وإفادة التهكم نحو: (أصلاتُك تأمرك أن نترُكَ ما يعبدُ آباؤنا)، والتعجب نحو: (ألم ترَ إلى ربك كيف مدّ الظلّ) «الفرقان:45»، والأمر نحو: (أأسلمتم) «آل عمران:20»، أي: أسلِموا، والاستبطاء نحو: (ألم يَأْنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبُهم) «الحديد:16».
 أما الإنكار الإبطالي فيُراد به أن ما بعد الهمزة غير واقع وأن مدعيه كاذب. وينصرف الإنكار إلى مدخول الهمزة فإذا قلت: (أتفعلُ؟)، فبدأتَ بالفعل، كان مرادُك، كما يقول على عبد القاهر الجرجاني، «أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل، فإن بدأت بالاسم فقلت: (أأنتَ تفعلُ؟) أو قلت: (أهو يفعلُ؟) كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور، وأبيتَ أن يكون بمَوضعِ مَنْ يجيء منه الفعل وممن يجيء منه، وأن يكون بتلك المثابة... فإذا قلت: (أزيدًا تضرب؟) كنت قد أنكرت أن يكون زيد بمثابة مَنْ يُضرَب، أو بموضعِ أن يُجترَأ عليه ويُستجازَ ذلك فيه». وعَدّ عبد القاهر من ذلك قوله تعالى: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ) «القمر:24»، وعلّل ذلك بأنهم»بَنَوا كفرهم على أنّ مَنْ كان مثلَهم بشرًا، لم يكن بمثابة أنْ يُتَّبع ويُطاع، ويُنتهَى إلى ما يأمُر».
والحق أن المعنى ليس إفادة معنى الإنكار فحسب، كما يرى عبد القاهر، إذ إنّ مجيء الكلام على جهة الاشتغال أفاد تأكيد ذلك الإنكار وتمكنه من نفوسهم؛ ذلك أن الاشتغال في قوة تكرار الجملة؛ إذ التقدير: (أنتبع بشرا منا واحدا نتبعه؟). ولو لم يكن مجيءُ الكلام على جهة الاشتغال آكدَ في الدلالة على الإنكار، لَـمَا كان هناك فارق بين قولهم: (أبشرا نتبعه؟) وقولهم:(أبشرا نتبع؟)، ولكان اشتغال الفعل بالضمير لَغْوًا وزيادة في المبنى دون دلالة على معنى زائد؛ وذلك ما لا تقتضيه اللغة. 
وليس الإنكار آنذاك مُنصرفًا إلى الاسم، كما رأى عبد القاهر أيضًا، إذ إن قراءة النصب- وهي قراءة الجمهور- تقتضي أن ينصرف الإنكار إلى الفعل، ذلك لأن تقدير الكلام آنذاك بــ(أنتبع بشرا منا واحدا نتبعه؟) يجعل همزة الإنكار داخلة على الفعل المقدّر (نتبع)، وليست داخلة على الاسم الظاهر (بشرًا)؛ فهؤلاء القوم لمَّا تمكن الإنكار من نفوسهم أصبحوا ينكرون الاتباع جملة، وإن كان ظاهرُ كلامهم إنكارَ اتباعِ بشرٍ منهم على جهة الخصوص، وهم إذا ما كانوا ينكرون الاتباع جملة واحدة، فإنكارهم لاتباع بشر منهم يكون آنذاك أشدَّ وآكَدَ.
أما قراءة (أبشرٌ) بالرفع على الابتداء، وهي قراءة أبي السمال وأبي الأشهب وابن السميفع، فتقتضي أن ينصبَّ الإنكار على أن يكون المتَّبَعُ بشرًا من بينهم، ولو كان مَلَكًا لاتبعوه. إلا أن قراءة النصب أرجحُ؛ «لأن همزة الاستفهام - كما يقول ابن هشام - بالجمل الفعلية أولى منها بالاسمية»، ويكون الكلام آكدَ في الدلالة على الإنكار؛ لمجيء الكلام على جهة الاشتغال الذي يقتضي تكرار الجملة.