بقلم: أحمد هارون
تراث الأمة المخطوط جزء أصيل من كيانها ووجودها، وبإحيائه ونشره محققًا تتسامى صعدًا في مراقي المجد والحضارة. ونحن المسلمين نملك من التراث في مختلف صنوف المعرفة تركة ضخمة خلفها لنا آباؤنا وعلماؤنا الأوائل الذين ضربوا في كل فن وعلم بسهم وافر، مما لم نشهد له مثيلًا عند أمة من الأمم.
والحق أن ثَمَّ حركةً دائبة في العصر الحاضر لإحياء هذا التراث والكشف عن دفائنه، ومع ذلك لم يصل إلينا منه سوى القليل، وبقي كثير منه حبيسًا في خزائن الكتب الخاصة والعامة، يُنتظر من يزيح عنه غبار الزمن. وسوف أتناول معكم الحديث عن هذا الأمر متمثلًا في عدة نقاط، أبدؤها بتعريفه.
مفهوم التحقيق:
كانت الحضارات القديمة تعتمد في نقل النصوص وروايتها على المشافهة الشخصية، تنتقل بها الأقوال، فيدخلها كثير من التصرف بالزيادة والتدليس والتحريف والتشويه، ويسقط منها ما هو أكثر وأكبر.
ولكي تحفظ التوراة من أمثال ذلك، سُجِّلت فور وحيها في الألواح المشهورة، ولكن بني إسرائيل فرطوا في تلك الألواح فأضاعوا النصوص الربانية، وشُغِلوا بالتلمود وما يحويه من حواشٍ وتفسيرات، وكذلك كان مصير الإنجيل وتفسيراته.
ثم اعتمدت بعض الأمم على الكتابة، فصارت النصوص تثبت في الصحف والمجلات والوثائق والكتب، ولكنها بقيت خلوًا من وسائل التوثيق أو التحقيق، إذ لا ترى فيما جاء قبل الإسلام كتابًا أو نصًا له من الأسانيد والروايات المتضافرة كلمة توثق فيه نسبة المقولات، أو تدقق في ضبط عباراتها كما أرادها أصحابها.
نأتي إلى تعريف هذا المصطلح لغة واصطلاحًا.
التحقيق في اللغة والاصطلاح:
كلمة التحقيق جاءت مصدرًا من الفعل (حَقَّقَ يُحَقِّقُ تَحْقِيقًا)، وأصل مادته الفعل المضعف العين (حَقَّ)، وقد تولدت منه عدة معانٍ يرى ابن فارس أنها تدور حول إحكام الشيء وصحته. ومما ذكره في هذا الصدد:
ويقال: ثوب محقَّق إذا كان محكم النسج.
ويقال: حَقَقْتُ الأمر وأَحْقَقْتُهُ: أي كنت على يقين فيه.
ويقال: أَحْقَقْتُ الأمر إحْقَاقًا إذا أحكمته وصححته.
ومن خلال هذه المعاني يتبين لنا أن كلمة التحقيق تدور حول إحكام الشيء وصحته، والتيقن، والتثبت، ولا شك أن هذه المعاني لها ارتباط وثيق بالمدلول الاصطلاحي للتحقيق، وهو يتمثل في: إخراج الكتاب على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي في عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبته إليه، وتحريره من التصحيف والتحريف والخطأ والنقص والزيادة، بقراءته قراءة صحيحة يكون فيها متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تمت على يد مؤلفه، أو إخراجه بصورة مطابقة لأصل المؤلف، أو الأصل الصحيح الموثوق إذا فُقِدت نسخة المؤلف.
ولقد توسع معنى التحقيق في السنوات الأخيرة، ولم يعد مجرد تقديم النص ونسخه، بقدر ما يشمل تقديم دراسة منقحة عن النص المحقق، تشمل مجموعة من المصطلحات المتعارف عليها في تنقيح النص، من أمثلة: (تحقيق، أو تعليق، أو تقديم، أو دراسة، أو اعتناء، أو قراءة، أو فهرسة، أو إعداد، أو إشراف، أو تخريج، أو مراجعة، أو تدقيق)، كل ذلك أو بعضه.
بعد الانتهاء من تعريف كلمة (تحقيق) ندخل إلى تعريف كلمة (المخطوطات).
تعريف المخطوطات:
وهي كل كتاب قديم كتبه المؤلف بخط اليد، سواء بخط يده أو بخط أيدي تلامذته.
ومن المخطوطات: النسخة الأصلية للمؤلف، والنسخ الفرعية والمنقولة أو المكتوبة عن تلك النسخة الأصلية.
درجاتها ومنازلها:
1- أفضل نسخة تُعتمد للنشر نسخة كتبها المؤلف نفسه، فهذه هي النسخة التي تسمى (الأم).
2- عند العثور على نسخة المؤلف يجب أن نبحث إذا كان المؤلف ألَّف كتابه على مراحل أو دفعة واحدة، لنتأكد أن النسخة التي بين أيدينا هي آخر صورة كتب بها المؤلف كتابه.
3- بعد نسخة المصنف تأتي نسخة قرأها المصنف أو قُرِئت عليه، وأثبت بخطه أنها قُرِئت عليه.
4- ثم نسخة نُقِلَت عن نسخة المصنف أو عُورِضَت بها وقُوبِلَت عليها.
5- ثم نسخة كُتِبت في عصر المصنف عليها سماعات على علماء.
6- ثم نسخة كُتِبت في عصر المصنف ليس عليها سماعات.
7- نسخ أخرى كُتِبت بعد عصر المؤلف، وفي هذه النسخ يُفضَّل الأقدم على المتأخر، والتي كتبها عالم أو قُرِئت على عالم.



