إن مما لا شك فيه أن للصحبة الصالحة أثرًا عظيمًا في صلاح العبد واستقامته.
كيف لا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».
وأعظم الأوقات التي تحتاج فيها إلى الصاحب الوفي الناصح، لكي يكون عونًا لك على استغلالها؛ لأن المؤمن ينتفع بالتذكير، وتعلو همته إذا استُحثَّ للخير.
ألا وإن أعظم صاحب يمكن أن يعينك على استغلال وقتك وقضاء الفراغ هو القرآن. نعم، القرآن؛ لن تجد مثله في تنشيطك وتقويتك وتثبيتك على الطاعة، وإبعادك عن سفساف الأمور وضياع الأوقات.
القرآن يكفيك عن كل صحبة، ويغنيك عن أي وصفة أخرى. تأمل معي بقلبك جيدًا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
حين أتأمل هذه الآية وأحاول أن أفهم فحوى المعاني التي قد صعبت عليَّ في بداية الأمر، لكني تعمقت مرارًا في هذا الاستفهام الرباني العظيم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾؟ يا الله، ما أحوجنا إلى مصاحبة القرآن. لست أتحدث عن تلاوة القرآن، فكثير منا يقرؤه.
ولست أتحدث عن وضع المصحف في الجيب أو جعله في الجوال، فأكثرنا معه هذا.
إنما أتحدث عن مصاحبةٍ بما تعنيه هذه الكلمة؛ إنه الأنس بالقرآن كما يأنس الصاحب بصاحبه، إنها المتعة بالقرآن كما يتمتع الحبيب بحبيبه، إنها لذة الخلوة بالقرآن كما يتلذذ الخليل بخليله.
إن الاقتراب من القرآن اقترابٌ من الرحمة التي يطلبها كل مسلم، قال الله تعالى عن القرآن: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
حياة المرء مع القرآن حياةٌ مع أعظم مصادر البركة، فماذا نبتغي فوق ذلك؟
مصاحبتك للقرآن: هدى، شفاء، موعظة، نور، بيان، فرقان، رفعة، عروج بالروح، طهارة للنفس، رفع للدرجات، زيادة في الحسنات، تكفير للسيئات، مفتاح للعلم، وباب عظيم لمعرفة الرب سبحانه، ودينه، ونبيه صلى الله عليه وسلم.
لكن كيف أصاحب القرآن؟ وما علامة كوني مصاحبًا للقرآن؟
فأقول: هذا -لعمري الله- سؤالٌ عظيم، والجواب عنه أكبر، ولكن هذه إنما هي مجرد ومضة أردت بها أن أشعل فتيل الهمة نحو القرآن في قلبي وقلبك.
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.



