الحق المبين

من المفاصلة الشعورية إلى تمزيق الوجدان: كيف شوَّه التطرف معنى الوطن؟

 د. أسامة الأزهرى
 د. أسامة الأزهرى

بقلم: د. أسامة الأزهرى

وزير الأوقاف

في هذا المقال نستأنف تفنيد هذه الشبهة، ونقضي على هذا التصور المشوَّش الذي يُخيَّل للبعض أن على المسلم أن يقف في خصومة مع خريطته، وأن يعادي خطوط الطول ودوائر العرض.
وكيف نظرت جماعات الإسلام السياسي إلى المشاعر الطبيعية التي تنشأ بين الإنسان ووطنه: أرضه، وأهله، وقريته، وبلدته، ومحيطه الإنساني؟
إن من أخطر الشبهات التي أثارتها تيارات التطرف حول الوطن مسألة المشاعر والعواطف، لا سيما اعتمادهم المكثّف على بعض تعبيرات سيد قطب، خاصة مفهوم «المفاصلة الشعورية»، فقد أرادوا من الإنسان أن ينفصل شعوريًّا عن محيطه، وعن انتمائه العاطفي لوطنه، وأن يقطع هذا الرباط الروحي الفطري السويّ، وتلاعبوا بهذه الفطرة النقية حين صوّروا مشاعر الحب والانجذاب للوطن كما لو كانت ميلًا إلى المعصية.
فقد كتبوا صراحةً أن ما يجده الإنسان في نفسه من مشاعر تجاه الوطن يشبه ميله إلى السرقة أو اقتراف الخطيئة، وأنه مكلَّف شرعًا بمقاومة هذه المشاعر! أي إنهم قالوا للإنسان: نعم، في نفسك مشاعر تجاه وطنك، لكن إياك أن تستجيب لها؛ لأن الوطن ـ في تصورهم ـ كيانٌ معادٍ للدين.
وهذه صورة صارخة من غسيل المخ، تقوم على فصل الإنسان عن جذوره، وعن تاريخه، وعن محيطه، لإعادة تشكيله من جديد، بل هو ـ إن صح التعبير ـ غسيلٌ للمشاعر والعواطف لا يقل خطرًا عن غسيل العقول.
فالشرع لم يُعادِ الفطرة، بل جعلها أحد روافده الكبرى، وحين تأملتُ موقف علمائنا الحقيقيين من هذه القضية وجدتهم يشيرون إلى معنى بالغ الدقة.
ولننظر مثلًا إلى كلام الإمام أبي حامد الغزالي، حجة الإسلام، صاحب «إحياء علوم الدين»، ومجدد القرن الخامس الهجري، في كتابه «الوسيط في المذهب»، حيث يقول الغزالي في باب بواعث الطباع: «إن في بواعث الطباع مندوحة عن الإيجاب؛ لأن قوام الدنيا بهذه الأسباب، وقوام الدين موقوف على قيام أمر الدنيا ونظامها لا محالة».
أي إن الشرع أحيانًا لا يأتي بأمرٍ صريح مباشر اعتمادًا على ما أودعه الله في الطباع الإنسانية من ميلٍ فطريٍّ إلى المعاني العليا والحميدة.
ويضرب العلماء لذلك مثالًا واضحًا: فالقرآن الكريم أمر الأبناء ببرّ الآباء، لكن هل ورد في القرآن أمرٌ مباشر للأب بأن يبرّ ابنه ويرعاه؟
لم يرد ذلك؛ لأن الله أودع في فطرة الأب من الرحمة والعطف ما يغنيه عن الأمر الصريح.
وهكذا، فحبُّ الوطن، والارتباط به، والانتماء إليه، هو من بواعث الفطرة التي أقام الله عليها نظام الدنيا، وجعل الشرع حارسًا لها، لا عدوًّا لها.
ثم ننتقل إلى موضعٍ ثانٍ بالغ الأهمية في هذا السياق: الإمام جلال الدين السيوطي، مجدد القرن التاسع الهجري، يقدّم لنا قاعدةً دقيقة من قواعد الشريعة ضمن مشروعٍ متكامل لفهم التجديد يمتد من الإمام الغزالي، مرورًا بالشيخ بخيت المطيعي، وصولًا إلى السيوطي وغيره من أعلام الأمة، في كتابه «إتمام الدراية لقراء النقابة»، حيث يقرِّر الإمام السيوطي قاعدةً بديعة، فيقول ما خلاصته: «إن الوازع الطبيعي قد يُغني عن الوازع الشرعي»، ثم يشرح ذلك بقوله: إن الوالد والولد مشتركان في الحقوق، ومع ذلك بالغ القرآن الكريم في الوصية بالوالدين دون الأبناء؛ لأن الفطرة الإنسانية كفيلة بإيجاد الشفقة على الولد، فلا حاجة إلى أمرٍ شرعي مباشر بها. فالدافع العاطفي هنا دافع فطري، ضروري، بدهي، لا يحتاج إلى تكليف.
وهذا المعنى بالغ الصلة بقضيتنا؛ إذ يدل على أن العواطف الإنسانية نوعان: عواطف من قبيل البر، والوفاء، وأداء الحقوق، وسداد الديون المعنوية، وهذه لا تُنهى شرعًا بحال، ولا تُدرج في دائرة المحرَّمات.
ومن هنا نفهم أن الانتماء إلى الوطن، والوفاء له، والبر بأرضه وناسه، ليس نزوة شعورية، ولا اندفاعًا غريزيًا آثمًا، بل هو من مكارم الأخلاق، ونبل الشيم، وشرف القيم.
ولو لم يرد في الشرع نصٌّ صريح يأمر بحب الوطن أو البر به، لكفى في ذلك هذا التعلّق الفطري الراسخ، الذي سعت تيارات التطرف إلى تشويهه وتصويره كأنه ميل إلى المعصية يجب مقاومته. وهذا المعنى ليس رأيًا فرديًا، بل هو تقرير علمي متكامل قال به أئمة الإسلام، كالإمام الغزالي، والإمام السيوطي، والشاه ولي الله الدهلوي في كتابه «حجة الله البالغة»، وغيرهم من المحققين.
فالوفاء للوطن شرف، والانتماء إليه فضيلة، وحبه من أنبل السجايا، وقد عبّر الشعر العربي عن هذا المعنى تعبيرًا صادقًا، فقال الشاعر:
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهم
مآربُ قضاها الفؤادُ هنالكَ
نعم، قد تكون الأرض قاسية، والعيش شاقًا، والمناخ صعبًا، ومع ذلك لا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عن وطنه؛ لأنه وطن.
ولهذا قالوا:
بلادٌ ألفناها ولم تكن مؤنسةً
وقد يُحبُّ المرءُ ما ليس بالحسنِ
فالبر بالوطن ثابت، حتى لو كان الوطن مشركًا، كما دلّت الآية الكريمة: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلَا تُطِعْهُمَا، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فإذا كان البر واجبًا مع الوالدين، ولو كانا على غير الإيمان، فكيف بالوطن الذي يحضن الإنسان، ويؤويه، ويصنع تاريخه وهويته؟
ومن هنا يتضح حجم التناقض الذي وقعت فيه التيارات المتطرفة؛ إذ وضعت الإنسان بين قناعة فكرية مغلوطة، ومشاعر فطرية صادقة لا يستطيع الفكاك منها، فكانت النتيجة تمزيقًا داخليًا، وصراعًا نفسيًا، وانفصالًا عن الواقع.
ثم ننتقل إلى اقتحام هذه الجماعات لحرمة القرآن الكريم، وتلاعبها بدلالاته، لا عن علمٍ أو أمانة، بل عن هوى وجهل. ومن أخطر الأمثلة على ذلك تأويلهم الخاطئ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ، وَأَبْنَاؤُكُمْ، وَإِخْوَانُكُمْ، وَأَزْوَاجُكُمْ، وَعَشِيرَتُكُمْ، وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا، وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا، أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
فيأتي الخطاب المتطرف ليُدخل مفهوم الوطن قسرًا في كفّة «المساكن التي ترضونها»، ويجعله في مقابلة الله ورسوله والجهاد، بينما الفهم العلمي الصحيح يقرّر أن الوطن حاضر ضمنًا في كفّة الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ لأن الجهاد إنما شُرع لحماية الأرض، والناس، والديار.
فالآية لا تذم الوطن، وإنما تذم تقديم الراحة الشخصية، والمصالح الفردية، والبيوت الخاصة على واجب الدفاع عن الوطن. إنها إدانة للتهرّب من المسؤولية، لا للطاعة والانتماء، وإدانة لإيثار المصلحة الخاصة على الصالح العام.
ومن هنا يتبيّن أن ما فعلته هذه الجماعات ليس فهمًا للقرآن، بل تحريفٌ لدلالاته، ونقلٌ للمعاني من مواضعها، وصناعةُ تناقضٍ وهميٍّ بين الدين والوطن.
وإلى لقاءٍ قادمٍ بإذن الله تعالى.

 

ترشيحاتنا