وقفات

عموم البلوى

محمود الإمامي
محمود الإمامي

بقلم: محمود الإمامي
[email protected]


من الأمور التي يسّرت فيها شريعة الإسلام كثيرًا ورفعت فيها الحرج عن المسلمين ما يعرف بعموم البلوى، وقد عبّر عنه بعض الفقهاء بالضرورة العامة أو الضرورة الماسة، وعموم البلوى هذا يقتضي التيسير والتخفيف.
وقد حدث ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لما جاءت امرأة تسأل أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: "إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر"، فقالت أم سلمة: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطهره ما بعده".
فما لا يستطيع الناس الاحتراز منه أو يشق عليهم ذلك، يستوجب التيسير والتخفيف رفعًا للحرج. ففي عام الرمادة، أو ما يعرف بعام المجاعة، لم يقطع الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يد السارق.
والحقيقة أن حد السرقة في الإسلام لا يُطبق على كل سارق، بل لا بد من ضوابط وشروط لكي تُقطع يد السارق؛ فليس كل سارق تُقطع يده. وقد أورد الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله شروط ذلك، وبينها في دراسة حملت عنوان "نظرة إلى العقوبة في الإسلام"، موضحًا وجوب أن يكون المال محرزًا، وأن ينقله السارق من المكان الذي أُحرز فيه إلى حيث يحوزه السارق، وألا تكون السرقة طعامًا في مجاعة كما حدث في عام الرمادة. فمثل هذه السرقة لا تُقطع لها يد السارق.
ورأى عمر بن الخطاب أن هذا الحد لم يستوفِ شروط إقامته، لأن السارقين كانوا في حال اضطرار، وقرائن الاضطرار كانت قائمة؛ فالسرقة كانت في مجاعة، وقد ذبحوا الناقة وأكلوها، وكانوا عبيدًا لرجل عُرف بأنه يجيع غلمانه، فكانت صورة الاضطرار قائمة وثابتة، والضرورات تبيح المحظورات. وهناك عقوبات تعزيرية تُطبّق على السارق الذي لم يستوف شروط حد قطع اليد.
ومن هذا وغيره، يكون لعموم البلوى تيسير خاص على الفرد وتسهيل على الأمة فيما تتعرض له من أمور تعم فيها البلوى، وهذا لا شك من تيسير الشريعة الإسلامية. فالمسألة التي تحدث في ظروف طبيعية عادية غير تلك التي تتم في ظروف خاصة واستثنائية.