الإيجابية خُلُقٌ أصيل في ديننا!!

د. أحمد الطباخ
د. أحمد الطباخ

بقلم: د. أحمد الطباخ
جاء الإسلام فغيَّر وجه الخليقة، وصنع من الإنسان شيئًا آخر؛ وذلك لأن الإيجابية التي اتسم بها الفرد في ظل الإسلام جعلته متفردًا في شخصيته وأخلاقه. فقد بادر من دخل في دين الله إلى تغيير نفسه، وبدَّل حاله من حالة لا تعبأ بأي أمر من الأمور إلى فرد آخر يتفاعل مع كل ما يعود على الناس بكل خير، وذلك ما تم إلا بعد مرحلة من الاستعداد والتهيئة النفسية التي هيَّأت القلوب والنفوس إلى حالة فريدة، جعلته يتعامل مع كل أمر من الأمور ونفسه تشتاق إلى خير تنتظره، وتشرئب عنقه إلى الوصول إليه؛ وذلك لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى. فكان إيجابيًّا في كل شيء رآه ينتظر منه أن يقوم بتصحيحه، والإسهام بكل ما يعود على أمته بالخير والمصلحة والمنفعة.

اقرأ أيضاً| جاءكم النذير لمن شاب شعره!!

إنها الأخلاق التي ما طابت الحياة إلا في ظلالها، ولا استقامت الرجال إلا بالتخلق بها، ولا قامت الحضارات إلا باستشرافها والعمل بها. فكم حضارة قامت وذهبت بانعدام الأخلاق! فما الأمم إلا بالأخلاق التي صنعت الرجال الذين ضربوا أروع الأمثال في الاستجابة لفعل الخير وإشاعته بين الناس. وتلك الإيجابية التي تأتي ثمرةً لأخلاق عظيمة ارتكزت في نفوس آثرت ما عند الله على أنانيتها. ولعلنا، عندما نتصفح سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، سنجد من صفحات التاريخ ما يشهد لذلك شهادةً تدل على إيجابية غيرت وجه الأرض، حتى ضحى الواحد منهم بكل ما يملك إرضاءً لله ورسوله، وخاصة عندما كان يتنزل القرآن الكريم على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم.
فعندما نزل قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟
قال: «نعم، يا أبا الدحداح».
قال: أرني يدك، فناوله.
قال: فإني أقرضت الله حائطًا فيه ستمائة نخلة.
ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط، وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها، فقال لها: يا أم الدحداح.
قالت: لبيك.
قال: اخرجي، قد أقرضت ربي عز وجل حائطًا فيه ستمائة نخلة.
قالت أم الدحداح: ربح بيعك! بارك الله لك فيما اشتريت.
ثم أقبلت على صبيانها تُخرج ما في أفواههم، وتنفض ما في أكمامهم، حتى أفضت إلى الحائط الآخر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كم من عذقٍ رداح، ودارٍ فياح، لأبي الدحداح».
أرأيت إيجابيةً مثل تلك من الصحابي وزوجته، دون تردد أو تفكير، وإنما لإعلاء مصلحة عامة يعود نفعها على الناس؟ حتى جعلت هذه الإيجابية «ابن العربي» يقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته، حين سمعوا آية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، أقسامًا فتفرقوا فرقًا ثلاثة.

 

ترشيحاتنا