لا خاسر مع القرآن الكريم

 ا.د. عادل القليعي
ا.د. عادل القليعي

بقلم: ا.د. عادل القليعي - أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة

بعد مطالعة نتيجة برنامج دولة التلاوة ، وإعلان أسماء من اكرمهم الله تعالى وتوجوا بالمراكز الثلاثة الأولى ، وهذا كرم من الله تعالى.
وأيضا تكريمهم من قبل الدولة وقياداتها فى احتفالية كبري فهذا أمر مهم.

لكن الأهم من التكريمات المادية والمعنوية الدنيوية ، تكريم من أكرمهم بحمل هذه الأمانة التي تنوء من ثقل حملها الجبال ، تكريم رب العالمين ، أن اصطفى من عباده من يحفظ كلامه، نعم فالقرآن الكريم كلام الله ، أنزله وأودعه في قلوب من اصطفاهم لحفظه ووفقهم لتحمل هذه المسؤولية، فالله تعالى يقول ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، 

 ومن وسائل حفظه ، قلوب من اختارهم سبحانه وتعالى، يقول تعالى ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)، لعلمه تعالى بأنهم سيحافظون عليها ، وحفاظهم عليها يكون بالعمل بكل حرف حفظوه ، ليس هذا وحسب بل وتعليمهم إياه للآخرين ، فاستمرارية تناقليته دليل دامغ على ثباته مهما تغيرت الأمكنة ودارت الأزمنة ، ودليل دامغ على صلاحيته لكل زمان ومكان بما يدحض وبما لا يدع مجالا للشك أن كل حرف وكل آية وكل سورة وكل حكم آتى به موجها إلى البشرية جمعاء مصدقا لقوله تعالى( يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)، وقوله ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وقوله (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك).

فلا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما توجد رسالة خالدة باقية ، تتناقلها الأجيال جيل بعد جيل ، هذه الرسالة هي تبليغ رسالة الله تعالى، ونشر دينه في كل زمان ومكان ، وفي كل بقعة من بقاع ملك الله، ولن يكون ذلك إلا من خلال سفراء الإسلام ، الذين هم حملوا على عاتقهم مسؤولية التبليغ ، أهل القرآن، فشدوهم بالقرآن وانصات الناس إليهم يدخل في باب التبليغ (بلغوا عني ولو آية).. أليس هذا تشريف وتكريم من الله تعالى.
نعم لا خاسر مع القرآن الكريم ، وإنما هي مسابقات للتنافسية والجد والاجتهاد في حفظه ترتيلا وتجويدا وإخراج مواهبنا القرآنية من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل ، فكما نبحث عن الموهوبين في كل المجالات ، فمن باب أولى نبحث عنهم في حفظة القرآن الكريم ، لماذا ؟!، لأن فقه الواقع يحتم علينا ذلك ، بمعنى ، أن دورة الحياة لا تموت بموت قارئ أو حافظ ، ومن ثم ضرورة ملحة نبحث عن موهوبين جدد ليواصلوا مسيرة القرآن الكريم ، وليجتهدوا كما اجتهد الأوائل في حفظه وترتيله.

وبناء على هذا تعقد المسابقات المحلية والدولية لخلق هذا الجو من التنافس لإخراج ما في جعبة هؤلاء الأفاضل حتى يملأوا الدنيا تغريدا بأصواتهم الندية بكتاب الله تعالى.

نعم ليس ثم خاسر مع القرآن الكريم ، وإنما من ينعم الله تعالى عليه بنعمة حفظه فقد يفوز فوزا عظيما إذا ما حافظ على هذه النعمة وعمل بها قاصدا وجه الله تعالى ، ولا يستغلها استغلالا سيئا للتربح من خلالها ، أو للحصول على الجاه والشهرة والسلطان.

وإن كانت هذه الأمور الدنيوية ستأتي لأهل القرآن ، لكن تأتي عن طريق عز القرآن الكريم لا عن طريق استغلاله الاستغلال السئ 
لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، من أراد الدنيا فعليه بالقرآن ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن ، ومن أرادهما معا فعليه بالقرآن.

نعم ليس ثم خاسر مع القرآن الكريم ، فحامل القرآن الكريم كتب له الله تعالى القبول عند أهل الأرض وعند أهل السماء، فضلا عن أن قرآنه يكون مؤنسا له في قبره، فضلا عن ذلك يكون هاديا له على الصراط وقائدا له إلى الجنة ، وشافعا له عند الله تعالى يوم تقوم الساعة.
ثم أي تكريما بعد أن ينادي مناد من عند الله تعالى ، أين أهل القرآن ، فيأتون أمام الله يرتلون ويرتقون من منزلة إلى منزلة إلى آخر آية يرتلونها فتكون هي مرتبتهم ومنزلتهم فى الجنة.

فضلا عن ذلك فحافظ القرآن يشفع في سبعة من أهل بيته ، كذلك خاتم القرآن وخاتمته يلبسان أبويهما تاج العز والوقار إن كانا من أهل الصلاح والفلاح.

ولنا مع هذا الأمر وقفة عقلانية ، فكثير منا يعلم أن حافظ القرآن يلبس أبويه تاج عز القرآن ، لكن ضرورة ملحة أن نتعقل هذه المسألة ، فلنفترض جدلا أن حافظ القرآن والديه ماتا على غير دين الإسلام ، كما حدث أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، فهل مثلا يلبس الصحابة آبائهم الذين ماتوا على الشرك تاج الوقار.

إذن ليس ثمة شفاعة وليس ثمة تاج عز ووقار إلا لمن مات شاهدا لله تعالى بوحدانيته ولنبيه بالرسالة.

إن مثل هذه المسابقات ما هي إلا وسيلة لإبراز مواهبنا ، فى القرآن الكريم ، وأقولها للجميع ، لو أعطيتموهم كنوز الدنيا ،  فلن توفوهم حقهم.
وإنما هي مكافآت تشجيعية ونتمنى من الله أن تستمر مثل هذه المسابقات وتتسع رقعة تواجدها .. بالقرآن الكريم نسمو وبكرامته نرتقي ونبني.

 

 

ترشيحاتنا