أيام قليلة، وتهل علينا الليالي الأولى من ليالي العشر الأواخر من رمضان، والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت شدَّ مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله. وهذه الليالي ليست كغيرها من ليالي الشهر، بل هي ختام الرحلة، ومحطة التزود الأخيرة، التي يظهر فيها صدق السائرين، ويجتهد فيها من عرف قدر ما بقي من الأيام.
ومع دخول العشر الأواخر يتغير حال المؤمن، فلا تكون عبادته كما كانت في أول الشهر، ولا يكون سعيه كعادته في سائر الأيام، بل يشعر أن الفرصة تضيق، وأن ما مضى قد مضى، ولم يبق إلا القليل، فيجتهد ليعوض ما فاته، ويقبل على الله بقلب أكثر حضورًا، ونفس أكثر انكسارًا.
وفي هذه الليالي كان السلف يتركون كثيرًا من أعمالهم، ويقبلون على القيام والذكر والدعاء؛ لأنهم علموا أن هذه الأيام لا تتكرر، وأن من حُرم خيرها فقد حُرم خيرًا كثيرًا، فكانوا يعدونها عددًا، ويستقبلونها بشوق.
ومن أعظم ما يميز العشر الأواخر أن فيها ليلة القدر، الليلة التي جعل الله العمل فيها خيرًا من عمل ألف شهر، ولذلك كان الحرص على قيام الليل فيها أشد، والدعاء فيها أكثر، والرجاء فيها أعظم؛ لأن القلب يعلم أنه يقف على باب فضل عظيم، قد يُفتح له مرة في العمر.
ولهذا كان من الحكمة أن يدخل العبد هذه الليالي بقلب هادئ، ونية صادقة، بعيدًا عن التشتت وكثرة الانشغال، فيجعل له وردًا من القيام، ووقتًا للقرآن، ونصيبًا من الدعاء، فإن القليل مع حضور القلب خير من الكثير مع الغفلة.
وإذا كانت بداية رمضان رحمة، ووسطه مغفرة، فإن ختامه عتق من النار، ولذلك كانت العشر الأواخر هي موضع الرجاء الأكبر، وفيها يظهر صدق التعلق بالله، ومن أحسن فيها كان لما بعدها أحسن، ومن فتر فيها خسر خيرًا كثيرًا وهو لا يشعر.
فنسأل الله أن يبلغنا هذه الليالي، وأن يعيننا فيها على الذكر والقيام، وأن يجعل لنا فيها نصيبًا من القبول، وحظًا من المغفرة، وعتقًا من النار، وأن لا يجعلنا فيها من الغافلين.



