رؤية ورأى

أحمد هاشم
أحمد هاشم

الحمد لله الذي وهبنا شهر رمضان، الشهر الوحيد الذي أشعر معه أن الزمن يأخذ معنى حقيقيًا، وأن الأيام لا تمر عبثًا كما في باقي شهور السنة. في رمضان فقط ينتابني إحساس غريب بأن الوقت يُحسب من العمر، وأن الساعات لها وزن وقيمة، وأنني أعيش أيامًا تستحق أن تُسجَّل في الذاكرة، لا أن تمر مرور الكرام.

مع دخول رمضان، أشعر أن حياتي كلها تتغير تلقائيًا، دون تخطيط مسبق. أنا في الحقيقة لا أنام تقريبًا، أفضل السهر حتى موعد السحور، أعيش الليل كله بين صلاة وقراءة وتأمل، ثم أستقبل الفجر بجسد متعب، لكن بروح خفيفة، وكأن التعب نفسه يصبح جزءًا من المتعة. الغريب أنني لا أنزعج من هذا الإرهاق، بل أقبله برضا داخلي، كأن الجسد يتصالح مع هذا النظام المختلف لأنه مرتبط بمعنى أكبر.

حتى مواعيد الطعام تتبدل؛ الأكل لم يعد عادة يومية، بل صار طقسًا له قدسيته، يبدأ بلحظة انتظار لا تضاهيها أي لحظة أخرى، لحظة الإفطار وسط العائلة، العيون معلقة بالساعة، القلوب تسبق المدفع، والدعاء يخرج تلقائيًا قبل أول رشفة ماء. مدفع الإفطار هنا ليس صوتًا فقط، بل إعلانًا ببدء حياة أخرى داخل اليوم الواحد.

مواعيد العمل واللقاءات أيضًا تتغير؛ اليوم لا يبدأ عندي مع شروق الشمس، بل مع أذان المغرب. الأصدقاء والأقارب نلتقيهم ليلًا، في جلسات هادئة دافئة، تختلف تمامًا عن لقاءات الأيام العادية. رمضان يذيب المسافات النفسية بين الناس، يجعلني أقرب لهم وأكثر استعدادًا للاستماع دون ملل.

أما داخليًا، فأشعر أن نفسيتي أهدأ، وصحتي أفضل، وعقلي أخف من الضغوط يقل التوتر، وتخف الرغبة في الجدل، ويزيد الإحساس بالسلام.

مع الأذكار وقراءة القرآن ومحاولة ختمه قبل نهاية الشهر، أشعر ببركة حقيقية تسري في الوقت نفسه. لذلك أؤمن أن رمضان ليس شهرًا في التقويم، بل منهج حياة مؤقت، مختلف وممتع.

وأجمل ما أختم به هذا الشعور كله هو الرغبة الصادقة في الدعاء طوال هذا الشهر، لعل الله يغفر لنا ذنوبنا، ويعفو عنا، ويجعلنا من عتقاء النار.